UNDP
POGAR

برنامج إدارة الحكم في الدول العربية: التقرير السنوي 2004: الإنتخابات - لبنان

مقدمة:
شهد لبنان على امتداد شهر أيّار/مايو 2004 أوّل إنتخابات منتظمة في تاريخه - مرّة كلّ ستّ سنوات - لإختيار أعضاء المجالس البلديّة والإختيارية. وجرت الإنتخابات على أربع مراحل شملت الأولى منها محافظة جبل لبنان في 02-05-2004، والثانية محافظتي بيروت والبقاع في 09-05-2004، والثالثة محافظتي الجنوب والنبطيّة في 23-05-2004، والرابعة محافظتي الشمال وعكّار في 30-05-2004. وقد أجمعت كلّ الأوساط السياسيّة والاجتماعيّة على أنّ الإنتخابات البلديّة والإختيارية التي كثر الحديث عن طابعها الإنمائيّ، كانت "سياسيّة بامتياز"، خاصّة وأنّها جرت على أعتاب استحقاق إنتخاب رئيس جديد للجمهوريّة الذي يصادف في الفترة ما بين أيلول - سبتمبر وتشرين الأوّل - أكتوبر 2004، ويمكن إعتبار نتائجها مقياساً لحجم القوى السياسيّة التي ينتظرها استحقاق آخر هو الإنتخابات التشريعيّة في العام 2005. وفي أجواء تنافسيّة شهدت تحالفات غير متوقّعة وانقسامات في جبهات سياسيّة تحكمها علاقات تحالفيّة، جرت الإنتخابات البلديّة والإختيارية بمراحلها الأربع على النحو التالي:

أعلى الصفحة الحالية

المرحلة الأولى: محافظة جبل لبنان:
انطلقت الإنتخابات البلديّة والإختيارية في لبنان من محافظة جبل لبنان الذي يبلغ عدد ناخبيه 727300 ناخب يتوزّعون على ستّة أقضية، وهي: جبيل، وكسروان، والمتن الشمالي، وبعبدا وتقطنها غالبيّة مسيحية. وعاليه، والشوف وتقطنها غالبيّة درزيّة. وكان على الناخبين إختيار 3174 عضواً لـ299 مجلساً بلديّاً من بين 6165 مرشّحاً، و694 مختاراً في 510 بلدات من بين 2354 مرشّحاً للمخاتير. وشهدت إنتخابات محافظة جبل لبنان، التي جرت في أجواء هادئة ومنافسة حادّة، تحالفات بين أطراف وقوى سياسيّة مختلفة التطلّعات والأهواء والمرجعيّات. كما شهدت عدم توافق أو تنسيق ناهيك عن التحالف بين أطراف "المعارضة المسيحيّة" المتمثّلة بالفريق السياسيّ الذي يعمل تحت اسم "لقاء قرنة شهوان"، و"التيار الوطنيّ الحرّ" المؤيّد للقائد السابق للجيش اللبنانيّ العماد ميشال عون. كذلك أظهرت هذه المرحلة من الإنتخابات تحالفات أو توافقات لم تكن متوقّعة. فعلى سبيل المثال، جرى توافق بين النائبين أميل أميل لحّود نجل رئيس الجمهوريّة، ونسيب لحود المعارض للرئيس اللبنانيّ أميل لحّود أسفر عن لائحة توافقيّة في بعبدات مسقط رأس رئيس الجمهورية. وكان من المرجّح أن تفوز بالتزكية لو لم يصرّ بعض المرشّحين على المضيّ في خوض المعركة الإنتخابية. في حين شهدت منطقة التواجد الكثيف للمسلمين الشيعة (الضاحية الجنوبيّة لبيروت) طلاق حركة (أمل) بزعامة رئيس مجلس النوّاب اللبنانيّ نبيه برّي، و"حزب الله" بزعامة حسن نصر الله، وهما القوّتان الشيعيّتان الرئيسيّتان في لبنان. وفي الشوف، دعم الزعيم الدرزيّ وليد جنبلاط لائحة رئيس حزب الوطنيّين الأحرار دوري شمعون (مارونيّ معارض) المتحالف مع التيّار الوطنيّ الحرّ (بزعامة ميشال عون) في دير القمر في وجه الموالين/المتعاطفين مع عهد الرئيس أميل لحّود. وفي الوقت نفسه، توصّل "حزب الله" - القوة الرئيسيّة في الطائفة المسلمة الشيعيّة الداعمة للعهد الحاليّ - إلى توافق في منطقة حـارة حريـك (ضاحية بيروت الجنوبيّة) مع "التيّار الوطنيّ الحرّ" الذي يتزعّمه القائد السابق للجيش اللبنانيّ العماد ميشال عون.

وقد أسفرت هذه الجولة الإنتخابية عن وقائع لم تكن في حسبان المعنيّين والمتابعين والمراقبين. ففي حين شهد المتن الشماليّ سقوطاً غير متوقّع للمعارضة التي دارت معارك بين فرقائها خصوصاً "لقاء قرنة شهوان" والتيار العونيّ، حقّق النائب ميشال المرّ انتصارات كبيرة وصلت إلى حدّ اكتساح اللوائح التي يدعمها لنحو 40 بلدية (من أصل 48) أبرزها ضبيّة، انطلياس، النقّاش، الرابية، جلّ الديب، الزلقا، عمارة شلهوب، الجديدة، البوشريّة، سدّ البوشريّة، الدكوانة، بتغرين، المروج، ضهور الشوير. وفازت المعارضة بقواها المختلفة في بلديّة سنّ الفيل... كما فازت اللائحة المدعومة من النائب نسيب لحّود (معارضة) في بلديّة بعبدات، وفازت اللائحة المدعومة من الرئيس السابق أمين الجميّل في بكفيّا، وفي جونية فازت اللائحة المدعومة من تحالف النائب فريد الخازن والوزير فارس بويز، فيما نالت اللائحة المدعومة من النائبين جورج أفرام ومنصور البون أربعة مقاعد فقط. أمّا في جبيل فقد فازت اللائحة المدعومة من النائب ناظم الخوري بتسعة مقاعد، فيما حصلت اللائحة المدعومة من الوزير جان لوي قرداحي على ستّة مقاعد. وبشكل عام غلب التنافس العائليّ والمناطقيّ على معارك الإنتخابات البلديّة والإختيارية في جبيل وكسروان.

من ناحية أخرى، حقّق "حزب الله" فوزاً كاسحاً في الضاحية الجنوبيّة حيث سيطر على ما نسبته 67% من مجالس بلديّات برج البراجنة (تحالف مع النائب باسم السبع)، والغبيري وحارة حريك (تحالف مع "التيار الوطنيّ الحرّ" والنائب باسم السبع). وكان أكبر الخاسرين في الضاحية الجنوبيّة التي تمثّل ثقلاً سياسيّاً واجتماعيّاً شيعيّاً حركة "أمل" بزعامة رئيس مجلس النوّاب اللبنانيّ نبيه برّي. وفي الشوف، انتزع الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ بقيادة الزعيم الدرزيّ وليد جنبلاط بلديّة الشويفات (معقل الإرسلانيين) من خصمه اللدود طلال أرسلان؛ إذ فازت لائحة الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ بـ11 مقعداً مقابل 7 مقاعد للاّئحة المدعومة من الحزب الديمقراطيّ اللبنانيّ. وفقد الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ مواقع لها دلالات خاصّة. ففي بيصور الذي يطلق عليها الحزب اسم "أمّ الشهداء" فازت اللائحة المدعومة من الحزب الديمقراطيّ اللبنانيّ (طلال أرسلان) المتحالف مع الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ والحزب الشيوعيّ اللبنانيّ. وفي عيتات - التي شكّلت على الدوام ثقلاً إنتخابياً للحزب التقدّميّ الاشتراكي - جاءت نتائجها عكس ذلك، إذ أخفقت اللائحة الاشتراكيّة بأكملها، وفازت اللائحة المدعومة من تحالف الحزب الديمقراطيّ اللبنانيّ وعائلات البلدة. وشهدت القرى والبلدات المسيحيّة على غير عادتها "اختراقات" تمثّلت بفوز اللوائح المدعومة من "القوّات اللبنانيّة" (معارضة بزعامة سمير جعجع) في كلّ من بحمدون الضيعة، ورشميا والدامور. في حين استطاع "التيّار الوطنيّ الحرّ" (بزعامة ميشال عون) من الحصول على 60% من مجالس بلديّات كلّ من سن الفيل، وبسكنتا، والحدث، وزوق مكايل، وطبرجا، والبوار، وفازت اللائحة التي يدعمها بكاملها في غزير. وبانتهاء اليوم الإنتخابي للمرحلة الأولى - محافظة جبل لبنان - أعلن وزير الداخليّة اللبنانيّ إلياس المرّ أنّ "نسبة الإقتراع قدّرت بـ55% وبلغت في بعض المناطق 90%". وأمل الوزير أن تكون إنتخابات جبل لبنان "نموذجاً للإنتخابات المقبلة في بقيّة المحافظات" مشيراً إلى أنّ "9542 مرشّحاً لم ترد منهم سوى 24 شكوى عولجت فوراً". ولفت إلى "أنّ شكوى واحدة تتعلّق بالرشى تحرّكت على إثرها الشرطة القضائيّة، وأوقفت عدداً من الأشخاص في بصاليم، وضبطت معهم أموالاً وأحالتهم على القضاء المختصّ" كما أنّ 4 (من أنصار "التيّار الوطنيّ الحرّ" بقيادة العماد ميشال عون) تعرّضوا للعسكريّين في أحد الأقلام - في جلّ الديب - فأوقفوا وأحيلوا إلى القضاء العسكريّ".

أعلى الصفحة الحالية

المرحلة الثانية: محافظتا بيروت والبقاع:
حفلت المرحلة الثانية من الإنتخابات البلديّة والإختيارية التي جرت في 09-05-2004 وخصّصت لمحافظتي بيروت والبقاع بالكثير من المؤشّرات الدالّة على سخونة المعارك بين "الموالاة" و"المعارضة"، وكيفيّة صياغة التحالفات بين القوى والأحزاب، وحدّة التنافس العائليّ التي سادت الكثير من المدن والبلدات والقرى. وإذا كان المشهد الإنتخابي متفاوتاً في سخونته بين منطقة وأخرى، فإنّ "معارك" بيروت، والمدينتين البقاعيتين زحلة وبعلبك، احتلّت الحيّز الأوسع من الاهتمام في اليوم الثاني من الإنتخابات البلديّة والإختيارية في لبنان. ففي محافظة بيروت التي يبلغ عدد ناخبيها حوالي 419316 ناخباً يختارون مجلساً بلديّاً واحداً مكوّناً من 24 عضواً من بين 70 مرشحاً (قانون الإنتخابات البلديّة لا يلحظ أيّ توزيع طائفيّ لمقاعد المجلس البلديّ كما هي الحال في الإنتخابات النيابيّة)، و108 مخاتير من بين 890 مرشّحاً. وقد تنافس لعضويّة المجلس البلديّ ثلاث لوائح: الأولى، لائحة "وحدة بيروت"، ترأّسها رئيس المجلس البلديّ المنتهية ولايته عبد المنعم العريس ودعمت من رئيس الوزراء اللبنانيّ رفيق الحريري الذي صاغ تحالفاً عريضاً ضمّ العديد من القوى السياسيّة مثل: "حزب الله"، وحركة "أمل"، والحزب التقدّميّ الاشتراكيّ، وحزب الطاشناق (الأرمن)، و"الجماعة الإسلاميّة" إضافة إلى عائلات بيروتيّة تتمتّع بوزن إنتخابي. أمّا اللائحة الثانية، لائحة "الكرامة والتغيير" (المعارضة) التي تزعّمها خالد الداعوق وكانت غير مكتملة (15 مرشّحاً) فجاءت نتيجة تحالف بين حركة الشعب (بزعامة النائب السابق نجاح واكيم) والحزب الشيوعيّ اللبنانيّ، والتيّار الوطني الحرّ (بزعامة العماد ميشال عون) وممثّلي عائلات. أمّا اللائحة الثالثة، لائحة "أهل بيروت" التي نافست لائحتي "وحدة بيروت"، و"الكرامة والتغيير" فلم تضم سوى 5 مرشّحين مستقلّين برئاسة رياض عيتاني، وحظيت بتأييد المؤتمر الشعبيّ اللبنانيّ (بزعامة كمال شاتيلا) وبعض الأحزاب الكرديّة. وكان أبرز سمات "معركة" بيروت البلديّة عزوف رئيس الوزراء السابق سليم الحصّ عن المشاركة فيها على كلّ المستويات، فلم يزكِّ أحداً من المرشّحين، ولم يدعم أيّ لائحة، ولم يقترع. وعبَّر عن موقفه هذا قائلاً: "إنّ هذه الإنتخابات لا تعنيني لا من قريب، ولا من بعيد".

أمّا في محافظة البقاع الذي يبلغ عدد ناخبيها حوالي 481040 ناخباً يختارون 139 مجلساً بلديّاً و416 مختاراً، فقد جرت الإنتخابات فيها في أجواء ساخنة تبادلت فيها الأطراف السياسيّة الكبرى المتنافسة الاتّهامات بـ"شراء الأصوات". وكان أبرز المعارك الإنتخابية تلك التي جرت في كلّ من مدينتي بعلبك وزحلـة. ففي الأولى تكرّس الطلاق الإنتخابي بين القوّتين الشيعيّتين الرئيستين "حزب الله" وحـركة "أمل" وفشلت كلّ المحاولات لإقامة ائتلاف بين الطرفين في ثاني المراحل الإنتخابية. وتنافس على مجلس بلديّة بعلبك (ذات الغالبية الشيعيّة) لائحتان رئيستان هما: لائحة "أبناء بعلبك" المدعومة من "حزب الله" وحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ (الموالي لسوريا) وتجمّع المقاصد (المقرّب من رئيس الوزراء رفيق الحريري)، ولائحة "قرار بعلبك" المدعومة من حركة "أمل" والحزب الشيوعيّ اللبنانيّ، والحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، وجمعية المشاريع الإسلاميّة (الأحباش). وقد ضمّت لائحة "أبناء بعلبك" مرشّحاً كاثوليكياً واحداً، في حين ضمّت لائحة "قرار بعلبك" مرشّحين كاثوليكيين اثنين، ما حدا بممثّلي الطائفة المسيحيّة المارونيّة إلى إصدار "بيان استنكار لاستبعادهم من اللوائح". لكنّ هذه التحالفات التي شهدتها بعلبك طرأت عليها تغيّرات في البلدات والقرى أملتها موازين قوى سياسيّة وعائليّة حاول كلّ طرف الإستفادة منها قدر المستطاع. أمّا زحلة، عاصمة البقاع وأكبر مدينة مسيحيّة في لبنان (غالبية كاثوليكيّة) فقد تنافس فيها ثلاث لوائح: الأولى "لائحة زحلة" المدعوة من رئيس الجمهوريّة السابق الياس الهراوي، والنائبين يوسف المعلوف ومحمود أبو حمدان. والثانية "لائحة القرار الزحليّ" المدعومة من وزير الصناعة الياس سكاف والنائب نقولا فتّوش. والثالثة لائحة غير مكتملة ضمّت تحالف "التيّار الوطنيّ الحرّ" و"القوّات اللبنانيّة" المحظورة، والحركة الإصلاحيّة الكتائبيّة (الرئيس السابق أمين الجميّل)، وحزب الوطنيّين الأحرار (بزعامة دوري شمعون) إلى جانب مرشّحين مستقلّين. وفي بلدات وقرى المحافظة جرت الإنتخابات البلديّة والإختيارية على قاعدة تحالفات حزبيّة وعائليّة ميّزها تقلّب التحالفات والإقبال على صناديق الإقتراع. فالبلدات والقرى ذات الغالبيّة الإسلاميّة السنيّة شهدت حضوراً لافتاً للتيّار الإسلاميّ، والمناطق ذات الغالبيّة المسيحيّة نشط فيها تيّار المعارضة المسيحيّة المتمثّل بالتّيار الوطنيّ و"القوّات اللبنانيّة" المحظورة وأطراف "لقاء قرنة شهوان".

أمّا على صعيد النتائج، فقد أسفرت إنتخابات محافظة بيروت عن فوز لائحة "وحدة بيروت" المدعومة من رئيس الوزراء رفيق الحريري بجميع مقاعد المجلس البلديّ لمدينة بيروت ولم تستطع أيّ من اللائحتين المنافستين من اختراقها، ولو بمقعد واحد. وعلى مستوى المخاتير، فقد توزّعت عضويّتها على كلّ القوى السياسيّة "الموالية" و"المعارضة" والعائلات. وفي محافظة البقاع، أحرز "حزب الله" انتصاراً مدوّياً باستعادته السيطرة على المجلس البلديّ لمدينة بعلبك الذي فقده في إنتخابات 1998 في مواجهة حركة "أمل". وفي زحلة حصدت "لائحة القرار الزحليّ" المدعومة من وزير الصناعة الياس سكاف (الزعامة الكاثوليكيّة للمدينة) 20 مقعداً من أصل 21 يتألّف منها مجلس بلديّة زحلة - المعلّقة، ومنيت "لائحة زحلة" المدعومة من رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة السابق الياس الهراوي (الزعامة المارونيّة) بخسارة قاسية، إذ لم تستطع الفوز إلاّ بمقعد واحد فقط، في حين لم تتمكّن لائحة المعارضة من إيصال أيّ مرشّح إلى مقاعد المجلس البلديّ. وفي البقاع الأوسط والغربي تقاسم المجالس البلديّة والمقاعد الإختيارية تحالفات متنوّعة بين الأحزاب، وبين العائلات. وتوصّلت بلدات وقرى إلى صياغة لوائح مشتركة من العائلات استبعدت منها الأحزاب. ويمكن إيجاز اليوم الإنتخابي لمحافظتي بيروت بالبقاع بأنّه كان انتصاراً لرئيس الوزراء رفيق الحريري في بيروت، ولـ"حزب الله" في بعلبك، ولالياس سكاف في زحلة.

ومع انتهاء اليوم الإنتخابي لمحافظتي بيروت والبقاع، عقد وزير الداخلية والبلديات الياس المرّ مؤتمراً صحافيّاً أعلن فيه "أنّ الإنتخابات تميّزت بخلوّها من أيّ حادث... وجرت في 140 بلدة توزّعت على 1542 مقعداً بلديّاً في محافظتي البقاع وبيروت. وعدد أقلام البلديات 1492 والمرشّحون 3663. وعدد البلديات التي فازت بالتزكية في البقاع 16، وعدد المخاتير 397، وعدد مقاعد الأعضاء الإختياريين 747، وعدد أقلام المخاتير 1499، وعدد المرشّحين لمركز مختار وعضو هيئة إختياريّة 1517، وعدد المخاتير الذين فازوا بالتزكية في البقاع 45، وفي بيروت لم يفز أحد". كما أعلن الوزير "أنّ نسبة الإقتراع في محافظة البقاع تناهز 70 في المئة، أمّا نسبة الإقتراع في بيروت (فبلغت) نحو 23 في المئة". وأضاف معلّقاً على نسب الإقتراع إنّ "الأرقام في بيروت مفاجئة فعلاً، وكان من المتوقّع أن تكون بحدود 40 إلى 45 في المئة. ولكن يمكن القول إنّه لم يكن هناك حماسة كبيرة في بيروت، بإعتبار أنّه لم يكن هناك معركة حقيقيّة. ولهذا لم تسجّل نسبة كبيرة في عدد المقترعين، والمعركة الحقيقيّة كانت في البقاع، ولهذا سجّل رقم عال جداً". وفي ردّه على سؤال يتعلّق بتدنّي نسبة المقترعين المسيحيّين، قال الوزير: "المقترعون من المسيحيّين في بيروت انتخبوا بنسبة المسلمين نفسها وليس أقلّ بكثير". وعبَّر عن أمله في "أن تكون الإنتخابات إنمائيّة... وأن يكون الطابع الإنمائيّ في إنتخابات الجنوب والشمال طاغياً على الطابع السياسيّ". وأعلنت لجنة تلقّي المراجعات والشكاوى في وزارة الداخليّة "أنّها لم تتلقّ سوى بعض الإشكالات الإداريّة التي تمّت معالجتها على الفور، كما لم تسجّل أيّ حوادث أمنيّة".

وبعد انتهاء المرحلة الثانية من الإنتخابات البلديّة والإختيارية في محافظتي بيروت والبقاع، صدر العديد من ردود الفعل والتفسيرات والقراءات لنتائجها. ففي وجه القراءات التي حاولت التقليل من شأن الانتصار الذي حقّقته لائحة "وحدة بيروت" المدعومة من رئيس الوزراء رفيق الحريري استناداً إلى نسبة الإقتراع الذي بلغ في بيروت 23%. اعتبر الرئيس الحريري "أنّ بيروت صوّتت في شكل واضح وصريح لوحدة بيروت... وصوّتت للوحدة الوطنيّة، ولهذا المجلس الذي يمثّل جميع فئات المجتمع في بيروت". من جهته، أعلن رئيس الوزراء السابق سليم الحصّ أنّ "الصوت الأعلى (في الإنتخابات) كان فيها صوت الذين لم يصوّتوا". فيما رأى رئيس حزب الكتائب اللبنانيّة الوزير كريم بقرادوني "أنّ عدم التصويت في الإنتخابات البلديّة في بيروت يشكّل رسالة سياسيّة تفوق بمعناها التصويت الذي جرى. ففي حين تجاوزت نسبة الإقتراع في جبل لبنان 50%، وفي البقاع 70%، فإنّ نسبة الإقتراع في بيروت لم تتجاوز 23%، مما يدلّ على أنّ الناخب البيروتي أبدى عدم رضاه إزاء لائحة "وحدة بيروت" من دون الاقتناع بإمكان فوز لوائح المعارضة. وقد تدنّت نسبة الإقتراع في بعض المناطق المسيحيّة في بيروت إلى ما دون العشرة في المئة، ومردّ هذا الإحجام الكبير استياء المسيحيّين من كيفيّة تشكيل لائحة رئيس الحكومة" (لم يكن حزب الكتائب ممثّلاً في لائحة "وحدة بيروت"). وأشاد حزب الطاشناق (الأرمن) بـ"الأجواء الهادئة والديمقراطيّة والنزيهة التي سادت العمليّة الإنتخابية"، وأصدرت اللجنة المركزيّة للحزب بياناً أوضحت فيه بالأرقام عدد المقترعين الأرمن في محافظة بيروت "حسب صناديق الإقتراع الأرمنيّة" وذلك ردّاً على "محاولة تحجيم... (و) تهميش فاعليّة الحزب وقدرته الإنتخابية". في حين اعتبر "رئيس المؤتمر الشعبيّ اللبنانيّ" كمال شاتيلا الذي دعم لائحة "أهل بيروت" انتصار لائحة "وحدة بيروت" "هزيمة سياسيّة للرئيس رفيق الحريري لأنّ 80 في المئة من الناخبين حجبوا ثقتهم عنه وعن حلفائه من الأحزاب والميليشيات... (و) ضعف التصويت المسيحيّ عموماً يبرز فشله في دعوته في إلى التوازن الطائفيّ". وفي تقييمه للإنتخابات التي جرت في العاصمة، رأى الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ أنّ أسباباً عدة أدّت إلى عدم انتقال الصوت البيروتيّ إلى "الطرف المعارض الذي مثّلته لائحة الكرامة والتغيير خير تمثيل" منها "أنّ بعض ما يسمّى المعارضة المسيحيّة راهن على مكاسب مقبلة، فدعا إلى المقاطعة حيناً، وإنتخاب المخاتير حيناً آخر".

وكانت قراءة "التيّار الوطنيّ الحرّ" لنتائج بيروت متفائلة. حيث اعتبر "أنّ مجموع الأرقام التي نالها مرشّحو التيّار على لائحة المعارضة في بيروت كان لافتاً في إطار النسبة المئويّة لعدد المقترعين الإجمالي وهي 23.5 في المئة... (و) حصول التيّار على نسبة تصل إلى 90 في المئة من مجموع أصوات الناخبين المسيحيّين في معظم أقلام الأشرفيّة، والصيفي، والرميل، والمرفأ، وكذلك في منطقة المصيطبة والمزرعة... يؤشّر إلى انقلاب المعادلات في أيّ استحقاق ترتفع فيه نسبة المشاركة". أمّا "الحركة الإصلاحيّة الكتائبيّة" فقد "أسفت لعدم تمكّن المعارضة من التفاهم حول موقف مشترك في إنتخابات بلديّة بيروت... ما زاد في تشرذم الصفوف التي كان يقتضي أن تكون موحّدة ولا سيّما في العاصمة، وهي واجهة الوطن السياسية. فجاءت النتيجة بالتالي خيبة أمل إن لجهة العدد المتدنّي جداً للمشاركين في الإنتخابات، أو لجهة تفتّت الأصوات اليتيمة التي اقترعت". وبالنسبة إلى الإنتخابات الإختيارية في بيروت، فقد عبّرت "الحركة الكتائبيّة" عن ارتياحها إلى "النتائج التي حقّقتها" بنجاح "معظم مرشّحيها وحلفائها رغم المحاربة في بعض الدوائر من الأقربين قبل الأبعدين".

أمّا في محافظة البقاع، فكان اللافت في ردود الفعل، إعتبار "حزب الله" الانتصار الذي حقّقه بمثابة "رسالة واضحة إلى الدوائر الاستكباريّة في مستوى الالتفاف حول حزب الله وما يمثّله من مشروع للاستقلال والحريّة"، ونجاح للحزب في "إيصال لائحة متوازنة تمثّلت فيها المذاهب والطوائف". من جهة أخرى، اعتبر وزير الصناعة الياس سكاف الذي دعم بالتحالف مع النائب نقولا فتّوش "لائحة القرار الزحلي" فوز اللائحة "انتصار كبير لأبناء زحلة وكرامة المدينة في وجه سلطة المال التي استعملها الخصوم لإفساد العمليّة الإنتخابية". ونوّه سكاف "بوعي الناخب الزحليّ، وتطبيقه العيش المشترك، قولاً وممارسة، من خلال إيصال ثلاثة ممثّلين للأقليّات في بلديّة زحلة المعلّقة: واحد من الطائفة الشيعيّة، وآخر عن السريان الأرثوذكس - وهما ينتخبان للمرّة الأولى - وثالث عن الطائفة السنّية، وهو كان أساساً من الثوابت الزحليّة... (و) إنّ هذه الظاهرة ترتدي أهميّة قصوى رغم أنّ قانون الإنتخابات البلديّة والإختيارية لا يلحظ حاليّاً أي كوتا لتوزيع المقاعد في المجالس والهيئات البلديّة والإختيارية بين الطوائف اللبنانيّة". أمّا "التيّار الوطنيّ الحرّ"، فقد اعتبر أنّ "لائحة المعارضة في زحلة حقّقت أرقاماً مميّزة ذات دلالات سياسيّة مهمّة في المدينة، حيث شكّل استقطاب العائلات التقليديّة والقوى الماليّة سمة بارزة". فيما قيّمت "الحركة الإصلاحيّة الكتائبيّة" بإيجابية "نتائج الإنتخابات البلديّة والإختيارية في البقاع (حيث) حقّقت لائحة المعارضة الائتلافيّة في زحلة رقماً محترماً رغم الضغوط التي تعرّضت لها من كلّ الجهات والقوى البقاعيّة، ورغم سلطة المال المسيطرة على هذه الإنتخابات".

أعلى الصفحة الحالية

المرحلة الثالثة: محافظتا الجنوب والنبطية:
اكتسبت المرحلة الثالثة من الإنتخابات البلديّة والإختيارية، التي جرت في 23-05-2004 وكان مسرحها محافظتي الجنوب والنبطية، أهميّة كبرى في مسار الاستحقاق البلديّ في لبنان. وخاضت القوى المختلفة المعركة الإنتخابية وهي متيقّنة من أنّ نتائج هذه المرحلة ستحدّد "الأحجام السياسيّة" لكلّ الأطراف المشاركة فيها. فالجنوب يعتبر مركز ثقل للطائفة الإسلاميّة الشيعيّة لاحتوائه العدد الأكبر من الناخبين الشيعة في لبنان. وتدور المعركة الإنتخابية على أرضه بين أكبر قوّتين شيعيّتين هما: "حزب الله" وحركة "أمل" بعد افتراقهما إنتخابياً بشكل نهائي، وفشل كلّ محاولات التوفيق بينهما، وبعد أن حقّق الطرف الأوّل إنجازات إنتخابية لافتة في المرحلتين الأولى والثانية من الإنتخابات البلديّة والإختيارية (محافظة جبل لبنان ومحافظتي بيروت والبقاع). وحاجة كلا الطرفين للاستحواذ على أكبر عدد من المجالس البلديّة في المدن والبلدات تساعدهما على تقوية نقاط ارتكاز نفوذهما السياسيّ. كما أنّ أهميّة هذه المرحلة تأتي من الموقع الاستراتيجيّ لمدينة صيدا (عاصمة الجنوب ومسقط رأس رئيس الوزراء اللبنانيّ رفيق الحريري) وتأثير نتائجها الإنتخابية على طبيعة دور رئيس الوزراء رفيق الحريري السياسيّ، وعلى الاستحقاقين القادمين: الرئاسيّ والنيابيّ. وتشكّل إنتخابات الجنوب أيضاً فرصة لا يستهان بحجمها لأطراف "المعارضة المسيحيّة" التي لم تحرز "نصراً واضحاً" له وزنه في إنتخابات المرحلتين السابقتين لتعويض ذلك، خاصةً في مدينة جزّين أكبر التجمّعات المسيحيّة في جنوب لبنان. وقد دعي للمشاركة في هذه المرحلة الإنتخابية (محافظتي الجنوب والنبطية) 659031 ناخباً من أجل إنتخاب 257 مجلساً بلديّاً تضمّ 3051 عضواً، و562 مختاراً، و888 عضواً إختياريّاً. وينقسم الناخبون الجنوبيّون على محافظتين وسبعة أقضية. ففي محافظة الجنوب 321844 ناخباً يتوزّعون على مدينة صيدا وقضائها الزهراني، وقضاء صور، وقضاء جزين يختارون مجالس بلدية لـ143 مدينة وبلدة تضمّ 1662 عضواً بلديّاً. في حين تضمّ محافظة الجنوب الثانية (محافظة النبطية) 337187 ناخباً يتوزّعون على مدينة النبطيّة (مركز المحافظة) وقرى قضائها، وعلى أقضية مرجعيون، وحاصبيّا، وبنت جبيل. يختارون مجالس بلديّة لـ114 مدينة وبلدة تضمّ 1389 عضواً بلديّاً. وقبل يوم الإقتراع، ومع انتهاء مهلة سحب الترشيحات للإنتخابات البلديّة في الجنوب في منتصف ليل 17-05-2004، سجّلت عشرات الانسحابات. ففي صيدا انسحب 16 مرشّحاً، وأصبح عدد المرشّحين لمقاعد المجلس البلديّ 44، فيما يبلغ عدد مقاعد المجلس 21. وبلغ عدد المرشّحين لـ23 مقعداً إختياريّاً 78 انسحب منهم واحد، فيما بلغ عدد الناخبين المسجّلين في جداول الشطب في صيدا 48882 ناخباً. وفي صور ومنطقتها انسحب 228 مرشّحاً من أصل 1521 للمجالس البلديّة، وانسحب 42 مرشّحاً من أصل 439 لمقعد مختــار وعضو مجلس إختياريّ. ويبلغ عدد ناخبيها 27036 ناخباً. في حين يبلغ عدد البلديّات 56 بلديّة 20 منها قديمة، و36 مستحدثة. وحسمت التزكية إنتخابات 7 بلدات. أمّا في جزّين فيبلغ عدد مقاعد المجلس البلديّ 16 ومقعدين لعين مجدلين، وبلغ عدد المرشّحين 39 مرشّحاً. وترشّح 11 شخصاً لشغل المقاعد الإختيارية الخمسة في جزين، و4 للمقعدين الإختيارين في عين مجدلين، وبلغ عدد النّاخبين 8015 ناخباً. أمّا النبطيّة وقضائها فقد انسحب 195 مرشّحاً من أصل 1010 لشغل 515 مقعداً في المجالس البلدية، وبلغ عدد المرشّحين للمقاعد الإختيارية 329 مرشّحاً، في حين يبلغ عدد النّاخبين 104370 ناخباً، وحسمت التزكية إنتخابات مجلسين بلديّين عدد أعضاء كلّ منهما 12 عضواً. وفي قضاء مرجعيون فسجل انسحاب 177 مرشّحاً من أصل 883 يتنافسون على 339 مقعداً بلديّاً. وانسحب 32 مرشّحاً للمقاعد الإختيارية من أصل 269 مرشّحاً لشغل منصب مختار، و87 عضواً إختياريّاً. في حين يبلغ عدد الناخبين 107948 في هذا القضاء الذي يضمّ 26 بلدية. أمّا قضاء حاصبيا الذي يبلغ عدد ناخبيه 27000 ناخب، ويضمّ 15 بلديّة مجموع أعضاء مجالسها 177 عضواً، فقد انسحب 74 مرشّحاً للإنتخابات البلدية والإختيارية من أصل 390 مرشّحاً، في حين فازت 5 بلديّات بالتزكية. وفي قضاء بنت جبيل انسحب 200 مرشّحاً للمجالس البلديّة والإختيارية من أصل 1350، وفازت بلديّة واحدة (تبنين) مؤلّفة من 15 عضواً ومخاتيرها الأربعة بالتزكية. كما تفاعلت قضية انسحاب المرشّحين المسيحيّين في بلدة يارون (قضاء بنت جبيل) ما دفع وزير الداخليّة الياس المر إلى إصدار قرار ألغى فيه الإنتخابات في البلدة "بناء على ضرورات المصلحة العامّة المستمدّة من الضرورات الوطنيّة القاضية بالحفاظ على جوّ التوافق السائد في البلدة".

دخل الجنوب يومه الإنتخابي على وقع التحالفات التي صاغتها القوى السياسيّة الرئيسيّة، وبالأخصّ "حزب الله"، وحركة "أمل"، و"تيّار المستقبل" الموالي لرئيس الوزراء اللبنانيّ رفيق الحريري، فضلاً عن قوى أخرى مثل "المعارضة المسيحيّة" بتشكيلاتها المتنوّعة، والأحزاب في مواقع مختلفة من الساحة الجنوبيّة. وظهر جليّاً أنّ الأحزاب إستفادت، بشكل أو بآخر، من "الطلاق الإنتخابي" بين القوّتين الشيعيّتين الرئيسيّتين اللتين استخدمتا تحالفاتهما مع العائلات والأحزاب في المواقع التي يحتاجانها لسدّ "فجوات إنتخابية" تداركاً لتحوّلها إلى "ثغرات سياسيّة". وكانت خريطة التحالفات التي خيضت الإنتخابات على أساسها لافتة للنظر، خاصةً في المدن والبلدات الكبرى التي تتألّف مجالسها البلديّة من 18 عضواً وما فوق. وتحوّلت المعركة الإنتخابية إلى "منازلات" شهدتها المدن الرئيسيّة في الجنوب، وهي: صيدا، جزين، صور، النبطيّة، بنت جبيل، حاصبيّا والمناطق التابعة لها. كما شهد الجنوب إقبالاً على صناديق الإقتراع لم يشهد في تاريخ الإنتخابات البلديّة مثيلاً له. ونزلت القوى السياسيّة إلى "ساحة الإقتراع" بكامل أسلحتها بحثاً عن "أحجامها السياسيّة" في تحالفات وأصوات ونتائج تترجم مواقع في المجالس البلديّة. ففي صيدا (ذات الغالبيّة الإسلامية السنيّة) جرت منافسة ساخنة بين لائحتين: الأولى "لائحة الوفاء" برئاسة عدنان الزيباوي ويدعمها رئيس الحكومة رفيق الحريري بالتحالف مع "الجماعة الإسلاميّة"، والثانية "لائحة إرادة صيدا" برئاسة عبد الرحمن البزري - الحليف السابق للحريري - المتحالف مع "التنظيم الشعبيّ الناصريّ" الذي يرأسه أسامة سعد، و"حزب الله"، وحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ (الموالي لسوريا)، والحزب الشيوعيّ اللبنانيّ. وضمّت كل لائحة 21 مرشّحاً توزّعوا طائفيّاً ومذهبيّاً على الشكل التالي: "لائحة الوفاء" 17 مرشّحاً عن المقاعد السنيّة بينهم 6 مرشّحين من "الجماعة الإسلاميّة"، ومرشّحان عن المقعدين الشيعيّين، ومرشّح واحد عن مقعد المسيحيّين الموارنة، ومرشّح واحد عن مقعد المسيحيّين الروم الكاثوليك. وتشكّلت "لائحة إرادة صيدا" من 17 مرشّحاً عن المقاعد السنّية بعضهم من "التنظيم الشعبيّ الناصريّ" وحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ (الموالي لسوريا)، والحزب الديمقراطيّ الشعبيّ، ومرشّحان عن المقعدين الشيعيّين أحدهما عن "حزب الله"، ومرشّح واحد عن الموارنة، ومرشّح واحد عن الروم الكاثوليك. ولم تكن مدينة جزّين (ذات الغالبية المسيحيّة) التي تبعد عن صيدا بضعة كيلومترات أفضل حالاً. فقد تواجه فيها لائحتان أساسيّتان: الأولى، "لائحة الاعتدال والإنماء" المدعومة من النائب سمير عازار، وكميل فريد سرحال، ومارون عزيز، ومارون كنعان. والثانية، "لائحة الكرامة" المدعومة من النائبين السابقين أدمون رزق، وسليمان كنعان، والسفير السابق سيمون كرم (عضو "لقاء قرنة شهوان" المعارض)، وبيار سرحال، إضافة إلى "التيّار الوطنيّ الحر" (الموالي للعماد ميشال عون) و"القوّات اللبنانيّة" المحظورة. وانتقلت حمأة المعركة في جزّين إلى القرى المجاورة، وارتدَت المعارك السياسيّة الطابع العائليّ إلاّ في القرى الشيعيّة حيث تنافست حركة "أمل" و"حزب الله" في إنتخابات، ظاهرها إنمائيّ وخلفيّتها سياسيّة، فلم تخل بلدة أو قرية من لائحتين يدعم كلّ منها طرف. ومن صيدا وجوارها وجزّين وقضائها، إلى الغازيّة والصرفند وعدلون يتكرّر المشهد. تنافس عائليّ يرتدي طابعاً سياسيّاً، أو استقطاب إنتخابي/سياسيّ يرتدي طابعاً عائلياً. وتقترن أسماء العائلات المتنافسة بالقوى السياسيّة الداعمة لها، وتنقسم عائلات على خلفيّة الامتيازات أو المواقع التي يقدّمها لها كلّ طرف يسعى لأصواتها. أمّا صور التي يميّزها نسيجها الطائفيّ المسيحيّ - الإسلاميّ، فقد شهدت معركة إنتخابية لمعت في ساحاتها أنوار تحالفات لم تكن تخطر على بال أحد. ففيها تحالفت حركة "أمل" مع النائب علي الخليل والحزب الشيوعيّ اللبنانيّ الذي كان يشكو دائماً من حركة "أمل" وضغوطها عليه لمنعه من النشاط السياسيّ في الساحة الجنوبيّة. وتحالف "حزب الله" مع فريق من آل الخليل الذي انخرط قسم منهم في العمل مع الميليشيات المتعاونة مع قوات الاحتلال في أثناء الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان (عائلة النائب الراحل كاظم الخليل المحسوب تاريخيّاً على حزب الوطنيّين الأحرار اليميني ذي القاعدة المسيحيّة)، وحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ (الموالي لسوريا)، وتيّار رئيس مجلس النوّاب السابق كامل الأسعد وزعيم الحزب الديمقراطيّ الاشتراكيّ الذي أعلن موقفاً مؤيّداً لمرشّحي "حزب الله" في جميع مدن وبلدات وقرى الجنوب اللبنانيّ. وجرى التنافس بين لائحة "أبناء صور" المدعومة من "حزب الله" وتحالفاته، و"لائحة صور" التي تدعمها حركة "أمل" بزعامة رئيس مجلس النوّاب اللبنانيّ نبيه برّي، الذي كان واضحاً أنّه يعوّل كثيراً على "معركة صور" في مشروعه السياسيّ خصوصاً بعدما أحرز "حزب الله" إنجازات إنتخابية مهمّة في المرحلتين الأولى والثانية من الإنتخابات البلديّة والإختيارية. وعلى نفس المنوال الذي نسجته صور، سارت بلدات وقرى القضاء. ففي العباسيّة، ومعركة، والبـازوريّـة، وبرج الشّمالي، وبقيّة البلدات تنافس في كلّ منها لائحتان: واحدة مدعـومة من "حزب الله"، والثانية مدعومة من حركة "أمل". ولم يخل الأمر من بعض المستقلّين الذين خاضوا الإنتخابات على أمل استقطاع بعض الأصوات من الجانبين.

أمّا في محافظة الجنوب الثانية (النبطيّة) فلم تكن عاصمتها مدينة النبطيّة خارج حلبة الصراع، فانتقلت إليها عدوى المنافسة بين الحليفين في الإنتخابات النيابيّة، والخصمين اللدودَين في الإنتخابات البلديّة والإختيارية "حزب الله" وحركة "أمل". وعاشت النبطيّة ذات الغالبيّة الشيعيّة يوم إقتراع طويل على أعصابها، خاصةً بعدما أطلق الأفرقاء المتنافسون على معركتها البلديّة مسمّى "أمّ المعارك". ولكنّ يوم الإقتراع مرّ بهدوء، ولم يسجّل أيّ حادث أمنيّ يذكر. في حين انقسمت المدينة بين لائحتين: الأولى، لائحة "إنماء النبطيّة" المدعومة من "حزب الله" وتحالفاته المعهودة، والثانية لائحة "الولاء للنبطيّة" المدعومة من حركة "أمل" وإمام المدينة الشيخ عبد الحسين صادق الذي فشلت مساعيه بالتوصّل إلى توافق بين الطرفين. إضافة إلى الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ الذي أسقط "حزب الله" اسم ممثّله من لائحته عشيّة الإنتخابات بسبب تحالف الحزب مع "أمل" في كلّ المناطق الأخرى.

وفي قضاء بنت جبيل الذي يبلغ عدد ناخبيه المسجّلين 105900 ناخباً موزّعين بين مسلمين 84.8% ومسيحيّين 15.2%، ويضمّ 35 بلدة وقرية، واستحدثت فيه 8 بلديّات (ألغيت الإنتخابات في بلدة يارون بناء على قرار من وزير الداخلية). ولم يختلف المشهد الإنتخابي عن المدن والبلدات الجنوبيّة الأخرى. ففي كل من بنت جبيل وعيناتا، وعيترون، ومارون الراس، وكونين، وبيت ليف، والجميجمة وشقرا، وحانين، صيغت للمعركة الإنتخابية نفس التحالفات: لائحتان تتواجهان في كلّ مدينة وبلدة وقرية. الأولى، تدعمها حركة "أمل" المتحالفة مع الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ، والحزب السوري القوميّ الاجتماعيّ. والثانية، يدعمها "حزب الله" بالتحالف مع تيّار المرجع الشيعيّ السيّد محمد حسين فضل الله. وسجّل في عيترون حيث يتمتّع الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ بنفوذ قويّ عدم التزام بعض الشيوعيّين بتعليمات قيادتهم المركزيّة المتحالفة مع حركة "أمل"، ودعموا لائحة "حزب الله". وخاضت القرى المسيحيّة معاركها الإنتخابية على أساس عائليّ في كلّ من دبل، وعين إبل، ورميش. وسادت الأجواء نفسها بلدات وقرى قضاء مرجعيون ما عدا بلدتي بليدا والخيام، حيث تكرّر نفس السيناريو الذي حصل في عيترون، فقد خرج الشيوعيون عن طوع قيادتهم المركزيّة ودخلوا في تحالف غير معلن مع لوائح "حزب الله". وفي البلدات المسيحيّة ساد جوّ مشابه رغم اختلاف أوجه التحالف حيث غلبت المنافسة العائليّة في كلّ من جديدة مرجعيون، وبرج الملوك، وإبل السقي، وتنافس في دير ميماس لائحتان: الأول، مدعومة من الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ، والثانية يساندها الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ. أمّا في القليعة فكانت نسبة الإقتراع متواضعة جداً لأنه لم يسمح لنحو 400 ناخب بالإقتراع بسبب أحكام صادرة في حقّهم بتهمة التعامل مع إسرائيل، إضافة إلى أنّ ألف ناخب لا يزالون في إسرائيل. وفي قضاء حاصبيّا تداخلت العائليّة مع الحزبيّة واختلطت التحالفات. ففي حاصبيّا عاصمة القضاء ذات الغالبية الدرزيّة، سقط التوافق عشيّة يوم الإقتراع بين تحالف الحزب الديمقراطيّ اللبنانيّ بزعامة وزير الدولة طلال أرسلان، والحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، وبين تفاهم الحزب التقدّمي الاشتراكيّ الذي يرأسه النائب وليد جنبلاط والنائب أنور الخليل ابن بلدة حاصبيا. وقد تراشق الطرفان الاتّهامات عن مسؤوليّة سقوط التوافق، وحمّل كل طرف الطرف الآخر المسؤولية عن ذلك. وأعلن الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ عزوفه عن المشاركة في الإنتخابات. فيما سحب النائب أنور الخليل مرشّحيه من الإنتخابات. وخاضت بلدات وقرى القضاء معاركها عائليّاً تارة، وحزبيّاً تارة أخرى. ففي شبعا تواجهت لائحتان: الأولى مدعومة من حركة "أمل" وحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ (الموالي لسوريا) والحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ وعائلات، والثانية تدعمها "هيئة أبناء العرقوب" والنائب قاسم هاشم (نائب عن حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ الموالي لسوريا) وعائلات. وفي الهبّارية تواجهت لائحة مدعومة من "الجماعة الإسلاميّة" والحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ، مع ثانية يدعمها الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ و"هيئة أبناء العرقوب". وفي كفرشوبا تكرّر المشهد نفسه. وفي عين قنيا تواجه الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ المتحالف مع الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ مع لائحتين غير مكتملتين: الأولى، مدعومة من الحزب الديمقراطيّ اللبنانيّ (بزعامة طلال أرسلان) والثانية، يدعمها الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ. وفي شويّا كان التنافس شديداً بين لائحة الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ ولائحة الحزب الديمقراطيّ اللبنانيّ. وحصل الشيء نفسه في الماري. وخاضت بلدة مرج الزهور معركة "عائليّة صرفة" واستقدمت العائلتان "أكثر من 150 مغترباً من بلدان أميركا اللاتينيّة". وكذلك في كفرحمام كانت المواجهة الإنتخابية عائليّة صرفة. أما ميمس، والخلوات، وراشيا الفخار، والفرديس فقد فازت مجالسها البلديّة بالتزكية.

وتوّج يوم الإقتراع الجنوبيّ بمؤتمر صحافيّ عقده وزير الداخلية والبلديّات الياس المرّ أعلن فيه "انتهاء الإنتخابات البلديّة والإختيارية في محافظتي الجنوب والنبطية بنسبة إقتراع وصلت إلى 65 في المئة... (و) أنّ عدد الشكاوى التي تلقّتها الوزارة رسميّاً لم يتجاوز الـ11، 9 منها تكاد لا تذكر، وتعتبر من الإشكالات البسيطة". وأضاف الوزير أنّ الإنتخابات "جرت في 248 بلديّة وعدد الأقلام البلديّة 1082، وعدد المخاتير 561، وأقلام المخاتير 1139، والمقاعد البلديّة 3102، والمقاعد الإختيارية 1385، والمرشّحين للبلديات والمخاتير 7810، والمندوبين للمرشّحين نحو 75 ألفاً، والموظّفين 5550، والأمنيّين نحو 25 ألف عنصر وضابط. أمّا البلديّات التي فازت بالتزكية فعددها 27، والمجالس الإختيارية الفائزة بالتزكية 73". وعمّا أشيع عن حصول تزوير، قال الوزير "في أهمّ بلدان العالم يبقى هناك من يخلّ بالأمن أو "يزعبر" وهذا طبيعيّ. العملية الإنتخابية التي جرت في الجنوب واستكملت مراحل جبل لبنان وبيروت والبقاع هي ضخمة، ومجلس شورى الدولة موجود لمعالجة الشكاوى... وأتصوّر أنّ التركيز الأساسيّ في هذه العمليّة هو على الوضع الأمنيّ، وعلى حجمها على الصعيد الإداريّ... ونحن كوزارة - وبحسب القانون - نتعاطى مع الشكوى الرسميّة التي تردنا، وليس على ما يقوله مواطن على باب قلم". كما أعلن الوزير أنّ "وزارة الداخليّة ينتهي دورها عند إقفال الصناديق، وما عليها سوى مواكبتها أمنيّاً إلى لجان القيد التي تتبع لوزارة العدل... التي يترأسّها قضاة. وعندما ينهي القضاة عملهم في احتساب الأصوات، ويرسلونها إلينا نعلن النتيجة". وحملت النتائج الرسميّة التي أعلنتها وزارة الداخليّة في 24-05-2004، و25-05-2004، و26-05-2004 كما وردت من لجان القيد العليا (تعلن وزارة الداخليّة أسماء الفائزين في الإنتخابات دون ذكر للانتماء السياسيّ للأفراد أو اللوائح) مفاجآت عدّة، كان أبرزها خسارة رئيس الوزراء رفيق الحريري مجلس بلديّة مدينة صيدا (مسقط رأسه)، إذ فازت اللائحة المنافسة برئاسة عبد الرحمن البزري بـ20 مقعداً من أصل 21. وفي جزّين، لم تستطع قوى "المعارضة المسيحيّة" مجتمعةً ("التيّار الوطنيّ الحرّ" المؤيد للعماد ميشال عون و"القوات اللبنانيّة" المحظورة، و"لقاء قرنة شهوان") أن تحقّق ما عجزت عنه مشتّتة في محافظة جبل لبنان. إذ فازت اللائحة التي يدعمها النائب سمير عازار المقرّب من رئيس مجلس النوّاب اللبنانيّ. وحقّقت حركة "أمل" انتصارات في صور والخط الساحليّ بين صيدا وصور. في حين أكمل "حزب الله" نجاحاته اللافتة بالسيطرة على مدينتي بنت جبيل والنبطية. في الوقت نفسه، أسفر اليوم الإنتخابي الجنوبيّ عن فوز اللائحة المدعومة من الوزير طلال أرسلان في حاصبيا في وجه لائحة الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ بزعامة وليد جنبلاط. كما سجّلت الإنتخابات عودة للقوى اليساريّة، وبالأخصّ الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ إلى الساحة الجنوبيّة بعد تحالفه مع حركة "أمل". أمّا حسابات الربح والخسارة في الإنتخابات فكانت عرضة للأخذ والردّ. فحركة "أمل" أعلنت فوزها في 93 مدينة وبلدة وقرية على رأسها مدينة صور، والصرفند، والغازيّة، وميس الجبل، وسجّلت اختراقاً في النبطيّة. وأعلن "حزب الله" فوزه بـ61% من البلدات الشيعيّة. من بينها مدينتين من أصل ثلاث هما: النبطيّة، وبنت جبيل، (الثالثة هي مدينة صور التي فازت فيها حركة "أمل")، وفي ثلاث مجالس بلديّة تضمّ 18 عضواً من أصل أربع هي: جويّا، وعيترون، والخيام (الرابعة ميس الجبل فازت فيها حركة "أمل").

وتبع إعلان نتائج المرحلة الثالثة (محافظتي الجنوب والنبطية) ردود فعل صدرت عن العديد من القوى والشخصيّات السياسيّة، كان أبرزها ما قاله رئيس مجلس النوّاب اللبنانيّ نبيه برّي "خدموني عندما قالوا إنّني مستهدف" واعتبر أنّ حركة "أمل" لم تخض المعركة "على أساسي سياسيّ بل إنمائيّ"، مشدّداً على أنّ جزّين (ذات الغالبيّة المسيحيّة) "لا تعطى ترضية لأحد، وقد وقفت مع المقاومة". وعن نتائج الإنتخابات البلديّة في الجنوب بشكل عام، قال الرئيس برّي "لقد أتاحوا لي فرصة هذا التنافس الحميم من جانبي، والمحموم من جانبهم على الأرض... قال الجنوب كلمته، وغداً يوم آخر". أمّا رئيس الوزراء اللبنانيّ رفيق الحريري فقد اعتبر "أنّ المشاركة غير المسبوقة التي شهدتها هذه الإنتخابات تعبّر عن تمسّك المواطنين في الجنوب بالممارسة الديمقراطيّة... (و) جوهر الديمقراطيّة هو احترام قرار الناخب كيفما أتى هذا القرار". في حين علّق عبد الرحمن البزري رئيس اللائحة الفائزة في مدينة صيدا على نتائج الإنتخابات بالقول: "الآن أصبحنا مواطنين لا رعايا... ولا أعتقد أنّ الرئيس الحريريّ الذي نحترمه ونثق به سيفرض حصاراً على مدينته". فيما اعتبر الوزير طلال أرسلان "ما حصل في تلك المدينة (صيدا) يعبّر عن عودة أبنائها إلى بعضهم البعض... (وهو) إنجاز عظيم". أمّا النائب السابق أدمون رزق، فعلّق على نتائج إنتخابات جزّين بالقول "إنّ السلطة المحليّة في لبنان... تواطأت على إدخال جزّين في معادلة المحاصصة... (و) عمدت إلى التدخّل بكلّ ما لديها من أساليب الترهيب والترغيب، ومارست ضغوطاً واضحة في كلّ الاتّجاهات". في حين رأى النائب الأوّل لرئيس حزب الكتائب اللبنانيّة رشاد سلامة "أنّ الإنتخابات البلديّة في الجنوب حافظت على الحدّ المقبول للحضور السياسيّ في المجالس البلديّة، وحجّمت السياسات الفوقيّة، وأسقطت خطاب التطرّف... (و) أنّ الجنوبيّين عبّروا عن حرصهم على مراعاة التوازن والتنوّع... بعيداً عن نيّة الإلغاء والسيطرة الأحاديّة". وأكّد الحزب الشيوعيّ اللبنانيّ على أنّ نتائج الإنتخابات "ساعدت في إظهار حجم الحزب وحضوره في شكل أفضل".

أعلى الصفحة الحالية

المرحلة الرابعة: محافظتا الشمال وعكّار:
استكملت الإنتخابات البلديّة والإختيارية في لبنان بإنجاز المرحلة الرابعة منها التي كانت مخصّصة لمحافظتي الشمال وعكّار. فقد توجّه النّاخبون في 30-05-2004 إلى صناديق الإقتراع في سبعة أقضية هي: عكّار، والضنّية - المنية، وبشرّي (محافظة عكّار)، وطرابلس، وزغرتا، والكورة، والبترون (محافظة الشمال)، ما مجموعه دائرتان إنتخابيتان يبلغ عدد الناخبين فيهما حوالي 678074 ناخباً. وعلى عكس ما كانت عليه الحال في المرحلتين الإنتخابيتين السابقتين في جنوب لبنان ومحافظة البقاع، فلقد سجّلت المرحلة الشماليّة نسبة أقلّ في الإقبال على الإقتراع. ومع ذلك فقد شهدت الدائرتان (عكار وطرابلس) معارك إنتخابية محمومة، خاصّة في المدن والبلدات التي تعتبر نتائج مجالسها البلديّة مؤشّراً على الأوزان والأحجام السياسيّة. وانخراط نواب ووزراء الشمال اللبنانيّ كافّة في العمليّة الإنتخابية بكلّ مراحلها بدءاً من تشكيل اللوائح أو دعمها، أو إقامة التحالفات العائليّة أو الحزبية حسب مقتضيات المعركة الإنتخابية وتوازنات القوى المؤثّرة فيها. وعلى خلفيّة الأحجام البشريّة والسياسيّة تركّزت الأضواء على مدينة طرابلس بإعتبارها عاصمة الشمال، وانعكاس نتائج الإنتخابات فيها على نادي رؤساء الحكومات. فزغرتا عاصمة الثّقل المسيحيّ المارونيّ الشماليّ وقاعدة آل فرنجيّة السياسيّة. وبشرّي مركز ثقل المعارضة المسيحيّة المتمثّلة بأنصار سمير جعجع (ابن بشرّي) زعيم "القوّات اللبنانيّة" المحظورة، والذي يمضي عقوبة بالسجن المؤبّد في مبنى وزارة الدفاع اللبنانيّة.

أمّا في محافظة عكّار (أقضية عكّار، والضنّية - المنية، وبشرّي) فاقترع النّاخبون لإختيار 981 عضواً في المجالس البلديّة، و210 مخاتير، و435 عضو مجلس إختياريّ. وشهدت أقضية المحافظة تنافساً شديداً، ومعارك محمومة كانت سمتها الرئيسة إدارتها من قِبل نوّاب المنطقة. في حين شهدت مناطق أخرى "معارك إنتخابية فاترة". وإذا كان طرح شعارات الإنماء، ورفع الغبن والحرمان عن قضاء عكّار - "الأكثر حرماناً" في لبنان - القاسم المشترك للخطاب الإنتخابي للمرشّحين، إلاّ أنّ ذلك لم يترجم إلى تشكيل لوائح قويّة وموحّدة تنتج مجالس بلديّة فعّالة وقادرة. وأثبت النفوذ العائليّ المتداخل بالإعتبارات السياسيّة والإنتماءات الحزبيّة قدرته على الوقوف حائلاً دون التفاف الناخبين حول لوائح ذات برامج إنمائيّة واضحة ودعمها. وعلى خلفيّة التحالفات العائليّة / السياسيّة أو العائليّة / الحزبيّة، أو العائليّة الصرفة، خاضت محافظة عكّار - كغيرها من المناطق اللبنانيّة - معاركها الإنتخابية يوم الإقتراع. فقد استطاع نائب رئيس الحكومة عصام فارس دخول المعركة البلديّة والإختيارية بلوائح كاملة وتوافقات عائليّة لم تواجه منافسة ذات وزن. ودارت في القبيّات (مسيحيّة مارونيّة - قضاء عكّار) معركة بين أربع لوائح: الأولى، مكتملة (18 عضواً) يدعمها النائب مخايل الضاهر، والثانية، غير مكتملة (17 عضواً) يدعمها النائب السابق فوزي حبيش، والثالثة، مدعومة من "التيّار الوطنيّ الحرّ" (معارضة مسيحيّة بزعامة ميشال عون) وهي غير مكتملة أيضاً، إضافة إلى لائحة رابعة تضمّ مجموعة من المستقلّين. وقد أضفى التنافس بين القطبين: الضاهر وحبيش على هذه المعركة البلديّة صفة "سياسيّة بامتياز". وفي عندقت تنافست لائحتان من العائلات بعيداً عن التحالفات السياسيّة، إضافة إلى 3 مرشّحين مستقلّين. وشهدت عيدمون - شخلار منافسة بين لائحتين: الأولى تدعمها العائلات الكبيرة، والثانية غير مكتملة لاقت دعماً من "الجماعة الإسلاميّة" والحزب الشيوعيّ اللبنانيّ. وفي شدرا كان التنافس عائليّاً بين لائحتين، في حين دارت في حلبا (مركز القضاء، وهي من أكبر البلديّات في عكّار تبلغ نسبة المقترعين المسيحيّين نحو 40%، والمسلمين السنّة 60%، ويضمّ مجلسها البلديّ 15 عضواً) معركة هادئة تنافس فيها ثلاث لوائح، واحدة منهن فقط مكتملة. وشهدت بلدات كوشا، وبيت الحاج، والسويسه، ومزرعة بلدة، ودير جنين، وخربة شار، وعين الزيت "تنافساً عائليّاً بعيداً كلّ البعد عن السياسية". أمّا في قضاء بشرّي، حيث تقدّم للإنتخابات 214 مرشّحاً للمجالس البلدية، و49 للمخاتير والمجالس الإختيارية؛ فقد وقعت المنازلة الكبرى في بلدة بشرّي (بلدة رئيس حزب "القوّات اللبنانيّة" المحظورة سمير جعجع)، حيث أخذت المعركة الإنتخابية طابعاً سياسيّاً بين لائحتين مكتملتين: الأولى، "لائحة الوفاء لسمير جعجع" وتضمّ 18 مرشّحاً من "القوّات اللبنانيّة" والمستقلّين، وتقود معركتها ستريدا طوق زوجة سمير جعجع. والثانية، "لائحة الولاء لبشرّي" وحظيت بتأييد النوّاب قبلان عيسى الخوري، وجبران طوق، ونادر سكر. وفي ظلّ أجواء الإنتخابات المحتدمة والحساسيّات السياسيّة والعائليّة شهدت مدينة بشرّي "تدابير أمنيّة غير عاديّة اتّخذها الجيش اللبنانيّ، ووحدات من قوى الأمن داخل الأحياء ومتفرّعاتها، وفي محيط أقلام الإقتراع وداخلها تلافياً لأيّ مشكلات". أمّا في قضاء الضنّية - المنية ذي الأغلبيّة المسلمة السنّية، فقد بلغ عدد المرشّحين 674 لعضوية المجالس البلديّة، و309 مرشّحاً للمخاتير والمجالس الإختيارية.. وجرت الإنتخابات على نفس المنوال الذي سلكته الأقضية الأخرى. وشهدت البلدات معارك إنتخابية خاصّة في دير عمار، وبحنين، والسفيرة، وبقرصونا، وبقاعصفرين (مجال نفوذ للرئيس عمر كرامي)، وسير (مسقط رأس النائب أحمد فتفت تيار الرئيس رفيق الحريريّ)، وبخعون (مسقط رأس النائب جهاد الصمد)، ومدينة المنية (مسقط رأس النائب صالح الخير والنائب السابق محمود طبّو).

أمّا محافظة الشمال (الدائرة الإنتخابية الثانية) التي تشمل أربعة أقضية هي: طرابلس، زغرتا، والكورة، والبترون، فقد شهدت أجواء سياسيّة محمومة نظراً إلى ارتفاع شدّة المنافسة بين الشخصيّات والقوى الفاعلة التي اختارت الإنتخابات البلديّة لقياس قوّتها وتثبيت مواقعها استعداداً للاستحقاق النيابيّ في ربيع 2005. ففي قضاء طرابلس (طرابلس، الميناء، القلمون) تقدّم 198 مرشّحاً لعضويّة المجالس البلديّة، و255 مرشّحاً للمخاتير والمجالس الإختيارية، لكنّ المعركة الأبرز وقعت في مدينة طرابلس (عاصمة الشمال) حيث بلغ عدد الناخبين 132 ألفاً يختارون مجلساً بلديّاً مكوّناً من 24 عضواً من بين 80 استقرّت عليهم لائحــة المرشّحين. وجرت في المدينة معركة إنتخابية قاسية تنافس فيها لائحتان: الأولى، لائحة "الكرامة والإصلاح" التي حظيت بدعم رئيس الحكومة السابق النائب عمر كرامي بالتحالف مع "الجماعة الإسلامية"، و"جمعيّة المشاريع الخيريّة" (الأحباش)، و"حركة التوحيد الإسلاميّة". والثانية، "لائحة طرابلس... آن الأوان" المدعومة من الوزيرين سمير الجسر (تيّار رئيس الحكومة رفيق الحريري) ونجيب ميقاتي، و"التكتّل الطرابلسي" النيابيّ المؤلّف من النوّاب: موريس فاضل، ومحمد كبارة، ومحمد الصفدي. إضافةً إلى لوائح صغرى تضمّ إحداها مجموعة من الإسلاميّين السلفيّين ومستقلّين. وقد استخدم أقطاب/رعاة اللائحتين المتنافستين تعابير ونعوت واتّهامات تخطّت السقف السياسيّ والديبلوماسيّ. وسجّل في المشهد الإنتخابي الطرابلسيّ قدرة الرئيس عمر كرامي على صوغ تحالف جمع للمرّة الأولى جماعتين إسلاميّتين هما: "الجماعة الإسلاميّة"، و"جمعية المشاريع الخيرية" (الأحباش) اللتين لم يسبق لهما أن تعاونا في الإنتخابات النيابيّة أو البلديّة. أمّا في الميناء القريبة من طرابلس، والتي لا يتجاوز عدد ناخبيها 35 ألفاً يختارون مجلساً بلديّاً من 21 عضواً، فكادت معركتها تكون صورة مصغّرة عن طرابلس. ففيها أيضاً تنافست لائحتان: الأولى، برئاسة محمد الحلو ويدعمها الرئيس عمر كرامي، والثانية برئاسة عبد القادر علم الدين المدعوم من الوزيرين سمير الجسر ونجيب ميقاتي و"التكتّل الطرابلسيّ" النيابيّ (النوّاب فاضل، كبّارة، الصفديّ). وفي قضاء زغرتا - حيث بلغ عدد المرشّحين لعضوية 31 مجلساً بلديّاً 573 مرشّحاً، و203 مرشّحين لمقاعد المخاتير البالغ عددها 70، ولعضويّة المجالس الإختيارية البالغة 49 - فقد شهد معركة أخفّ وطأة بعدما نجح وزير الصحّة سليمان فرنجيّة (أعلن تأييده الصريح للوزيرين ميقاتي والجسر والنائب الصفدي في مواجهة عمر كرامي في طرابلس) في تشكيل لائحة كاملة وحيدة في مسقط رأسه مدينة زغرتا متحالفاً مع معظم الزعماء فيها من آل كرم، والدويهي، والمكاري، والنائب قيصر معوّض. في مواجهة لائحتين غير مكتملتين لم تفلح المساعي الحثيثة لتوحيدهما، وتوزّع أعضاؤهما في فريقين مدعومين من "التيّار الوطنيّ الحرّ" و"القوّات اللبنانيّة" المحظورة، والحزب الشيوعيّ اللبنانيّ، والمستقلّين. وما سهّل معركة الوزير فرنجيّة أيضاً، قدرته على التوصّل إلى توافق في بعض بلديّات القضاء مع النائب نايلة معوّض (مرشّحة لرئاسة الجمهوريّة) ما أفضى إلى إحجام الأخيرة عن خوض إنتخابات زغرتا، وإعطاء مؤيّديها حريّة الإختيار. لكنّ هذا لم يحل دون مواجهات إنتخابية في بلدات قضاء زغرتا - الزاوية (أغلبية مسيحيّة مارونيّة) وقراه، حيث دارت منافسة سياسيّة حادّة في رشعين، وأرده، وعشاش، ومجدليّا، وعلما التي هي مسقط رأس وزير الخارجيّة جان عبيد. وفي قضاء الكورة (أغلبية مسيحيّة أرثوذكسيّة) حيث تقدّم 648 مرشّحاً للمجالس البلديّة، و90 مرشّحاً لمركز مختار، وعضو مجلس إختياريّ، جرت معارك إنتخابية أخفّ حدّة مقارنةً مع الأقضية الأخرى، فوقعت مواجهات في أميون (مركز القضاء) حيث نفوذ الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ والنائب سليم سعادة، وفي بلدة أنفة مسقط رأس النائب فريد مكاري، وفي كوسبا بلدة النائب فايز غصن (النوّاب الثلاثة قريبون من وزير الصحّة سليمان فرنجيّة). أمّا وسط شرق القضاء (القرى المسيحيّة المارونيّة)، فقد وقع تنافس شديد بين لوائح مدعومة من الوزير فرنجيّة ولوائح حظيت بدعم "القوّات اللبنانيّة" المحظورة. أمّا قضاء البترون (أغلبيّة مسيحيّة مارونيّة) الذي بلغ عدد المرشّحين فيه 512 مرشّحاً للمجالس البلديّة، و283 للمخاتير والمجالس الإختيارية، فقد تركّزت المواجهات الإنتخابية في مدينتي البترون - مركز القضاء - وتنّورين. ففي الأولى تنافست "لائحة البترون" برئاسة رئيس البلديّة المنتهية ولايته المدعومة من النائب سايد عقل، و"لائحة التغيير" التي ضمّت ممثّلين عن "لقاء الشباب البترونيّ" و"التيّار الوطنيّ الحرّ" و"القوّات اللبنانيّة" وعائلات. أمّا المعركة الأشدّ حدّة فوقعت في تنّورين، حيث دارت بين لائحتين هما "قرار تنّورين" التي حظيت بدعم النائب بطرس حرب، و"الوفاق الأهليّ" المدعومة من "التيّار الوطنيّ الحرّ" و"القوّات اللبنانيّة" وآل يونس الخصم العائليّ التقليديّ لآل حرب في تنّورين. أمّا مدينة شكّا فقد شهدت أجواء من التشنّج والحدّة بين اللائحتين المنافستين: الأولى "شكّا الغد" برئاسة رئيس البلديّة المنتهية ولايته، ولائحة "التجمّع الشكاوي للإصلاح والإنماء" المدعومة من "القوّات اللبنانيّة" المحظورة، و"التيّار الوطنيّ الحرّ"، وحزب الكتائب اللبنانيّة. وفي دوما لم يسجّل المشهد الإنتخابي فيها الكثير من الحماسة نظراً إلى ارتفاع نسبة المهاجرين من أبناء البلدة.

وفي نهاية يوم الإقتراع الشماليّ، عقد وزير الداخليّة والبلديّات الياس المرّ مؤتمراً صحافياً أعلن فيه انتهاء المرحلة الرابعة والأخيرة من الإنتخابات البلديّة والإختيارية، موضحاً "أنّ نسبة الإقتراع في الشمال بلغت 45 في المئة في معظم المحافظات، وفي مدينة طرابلس لم تتعدّ 30 في المئة". كما أشار إلى "حادث أمنيّ وحيد في بلدة قبعيت (عكّار) حيث حصل إشكال بين المرشّحين عالجته القوى الأمنية". أمّا على ضعيد الإنتخابات في كلّ لبنان، فقد ذكر الوزير "أنّ عدد البلديّات التي جرت فيها الإنتخابات 899، وعدد المخاتير 2370، وعدد المقاعد البلديّة 15300، وعدد الأقلام 10700، وعدد المرشّحين 29000، والمندوبين 380000، والموظّفين الذين تولّوا عمليّة الإنتخابات 10500، والأمنيّين الذين تولّوا حماية العمليّة 25000 ضابط وعسكريّ، والبلديّات التي فازت بالتزكية 121، والمجالس الإختيارية التي فازت بالتزكية 400". كما شدّد الوزير المرّ على التزام الدولة الحياد في الإنتخابات البلديّة والإختيارية قائلاً: إنّ "الانتصار الأساسيّ للدولة يتمثّل في خسارة أشخاص هم في السلطة اليوم. وهذا أكبر برهان على أنّ وزارة الداخليّة بتوجيه من مجلس الوزراء على الحياد. فحين لا يوفّق رئيس الحكومة في إنتخابات صيدا، فهذا أكبر برهان على أنّ توجيهات الدولة لوزارة الداخليّة هي التزام الحياد التامّ. وحين لم يوفّق خطّنا السياسيّ في بعض قرى المتن، ووفّق في قرى أخرى، فهذا يؤكّد أنّه لم تحصل ضغوط على المواطنين... كذلك حيث نرى أنّ رئيس المجلس النيابيّ لم يوفّق في بعلبك، ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكيّ الممثّل بثلاثة وزراء في الحكومة لم يوفّق في حاصبيا وبعض القرى، فهذا أكبر دليل على أنّ الإنتخابات كانت لمصلحة صدقيّة الدولة وهذا ما اعتبره ربحاً لها".

أمّا النتائج الرسميّة للإنتخابات البلديّة والإختيارية في محافظتي الشمال وعكّار، فقد أعلنتها وزارة الداخليّة في 01-06-2004، و02-06-2004، على لسان المدير العام للشؤون السياسيّة واللاجئين في وزارة الداخليّة، وكما وردت من لجان القيد العليا. ولم تأت وزارة الداخليّة - كعادتها في إعـلان النتائج - على ذكر أيّ انتماء سياسيّ، أو حزبيّ للفائزين أفراداً كانوا أم لوائح. والجدير ذكره أنّ وزير الداخليّة كان قد أصدر في 27-05-2004 قبيل يوم الإقتراع في الشمال، قرارين حذف بموجبهما بلدتين في قضاء الضنّية (دائرة الشمال الإنتخابية الأولى) هما: واطية وكهف الملول، من البلدات المدعوّة إلى إنتخاب مختار وأعضاء مجلس إختياريّ فيهما، وذلك "بناء على ضرورات المصلحة العامّة المستمدّة من ضرورات الحفاظ على جوّ التوافق في البلدة" حسبما جاء في كلّ من القرارين.

وقد كشفت نتائج الإنتخابات البلديّة والإختيارية في مرحلتها الرابعة (محافظتي الشمال وعكّار) عن معطيات سياسيّة يحسب حسابها في الاستحقاقات الإنتخابية القادمة، وبالأخصّ الإنتخابات النيابيّة في ربيع 2005. وقد سجّل - بناء على النتائج الرسميّة - العديد من المؤشّرات الدالّة على الحجم السياسيّ للأحزاب والفعاليّات والشخصيّات التي خاضت هذه المرحلة من الإنتخابات. ففي عكّار حقّق نائب رئيس الوزراء عصام فارس فوزاً في جميع البلدات التي دعم فيها لوائح مجالسها البلديّة أكانت هذه البلدات ذات أغلبيّة مسيحيّة أرثوذكسيّة، أو مسلمة سنّية. علماً أنّ فارس استطاع تحت شعار الوفاق الذي أطلقه مع بدء التحضيرات للاستحقاق الإنتخابي البلديّ والإختياري تأمين فوز 13 مجلساً بلديّاً بالتزكية، إضافة إلى 44 مختاراً. أمّا في القبيّات، كبرى البلدات المسيحيّة (موارنة) في القضاء، فقد استطاع النائب والوزير السابق فوزي حبيش انتزاع مجلسها البلديّ من سيطرة النائب مخايل الضاهر، في حين سجّل في بلدة الفنيدق تراجع للنائب وجيه البعريني لمصلحة "تيّار المستقبل" المحسوب على رئيس الوزراء اللبنانيّ رفيق الحريري. وفي وادي خالد استأثر النائب محمد يحيى بالمواقع على حساب منافسه النائب جمال اسماعيل، في حين حافظ النائب كريم الراسي على مواقعه في بلدته الشيخ طابا. أمّا في قضاء الضنّية - المنية (الغالبيّة إسلاميّة سنّية) فقد سجّل في مدينة المنية تراجع للنائب صالح الخير لمصلحة ابن عمه كمال الخير. وفي بلدة سير (عاصمة الضنّية) فازت اللائحة المدعومة من النائب أحمد فتفت (تيّار الرئيس رفيق الحريري) المتحالف مع الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ. وحافظ النائب جهاد الصمد على مواقعه في بلدة بخعون، في حين سجّل النائب السابق أسعد هرموش (الجماعة الإسلاميّة) تقدّماً ملحوظاً في بلدة السفيرة. وفي قضاء بشرّي سجّلت "القوّات اللبنانية" المحظورة نصراً لافتاً في بلديتي بشرّي وحدشيت حيث خاضت ستريدا طوق جعجع (زوجة قائد "القوّات اللبنانيّة" الذي يقضي عقوبة بالسجن المؤبّد في وزارة الدفاع اللبنانيّة) معركة قاسية ضد تحالف من ثلاثة نواب هم: قبلان عيسى الخوري، وجبران طوق، ونادر سكر، والفعاليّات العائليّة في البلدتين.

أمّا في الدائرة الإنتخابية الثانية (محافظة الشمال) فقد سجّل تراجع للرئيس عمر كرامي أمام التحالف الذي قاده وزير الأشغال العامّة نجيب ميقاتي، ووزير التربية سمير الجسر (تيّار الرئيس رفيق الحريري) و"التكتّل النيابيّ الطرابلسيّ" الذي يضمّ النواب: موريس فاضل، ومحمد كبارة، ومحمد الصفدي. وحصل الشيء نفسه في الميناء حيث فازت اللائحة المدعومة من التحالف في مواجهة اللائحة المدعومة من الرئيس كرامي. وفشلت "التيّارات الإسلاميّة" (الجماعة الإسلاميّة، وجمعية المشاريع الخيريّة الإسلاميّة وحركة التوحيد) في إيصال أيّ من مرشّحيها إلى المجلسين البلديّين في طرابلس والميناء. وفي قضاء زغرتا (أغلبيّة مسيحيّة مارونيّة) فقد حقّق الوزير سليمان فرنجيّة انتصاراً كاسحاً في معظم بلديّات القضاء، وبالأخصّ مدينة زغرتا (مسقط رأسه) وإهدن. وكان سبق يوم الإقتراع توافق بين الوزير سليمان فرنجية والنائب نايلة معوّض امتنعت الأخيرة على إثره عن خوض المنافسة الإنتخابية في زغرتا، ونالت حصصاً لها في 12 بلديّة فازت بالتزكية. في حين شهد قضاء الكورة (أغلبيّة مسيحيّة أرثوذكسيّة) تمكّن النائب فريد مكاري من الحفاظ على مواقعه في بلدة أنفة الساحليّة بفوز اللائحة التي يدعمها، باستثناء مقعدين احتلّ أحدهما "التيّار الوطنيّ الحرّ"، والآخر حصل عليه حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ (الموالي لسوريا). وحقّقت اللائحة المدعومة من النائب فايز غصن في بلدة كوسبا فوزاً كبيراً إذ لم تخترق إلاّ بمقعد واحد فاز به مرشّح مدعوم من ابن عمه النائب السابق نقولا غصن. وفي وسط شرق القضاء (القرى المسيحيّة المارونيّة) فقد فازت لوائح مدعومة من الوزير سليمان فرنجيّة في بعض القرى على لوائح مدعومة من "القوّات اللبنانيّة"، بينما حقّقت الأخيرة انتصارات في قرى أخرى. كما فاز الحزب السوريّ القوميّ الاجتماعيّ في 21 بلديّة من أصل 28 خاض فيها معاركه الإنتخابية فضلاً عن 23 مختاراً دعمهم من أصل 25 مرشّحاً. وفي قضاء البترون (أغلبيّة مسيحيّة مارونيّة) حافظ النائب بطرس حرب على مواقعه في مسقط رأسه تنّورين في مواجهة تحالف بعض الأحزاب المسيحيّة وعائلات من البلدة على رأسهم آل يونس. أمّا في ساحل القضاء، فقد حافظ النائب سايد عقل (القريب من الوزير سليمان فرنجيّة) على مواقعه في مدينة البترون في مواجهة تحالف ضمّ أحزاباً مسيحيّة وعائلة ضو، ولم تخرق لائحته الفائزة إلاّ بمرشّح واحد فقط من "التيّار الوطنيّ الحرّ". وسجّل فوز "القوّات اللبنانيّة" المحظورة في بعض البلدات على حساب تحالفات يساريّة، وحصول "التيّار الوطنيّ الحرّ" على بعض المقاعد في المجالس البلديّة خاصة في بقسميا.

أخيراً، تجدر الإشارة إلى أنّ النتائج الرسميّة كشفت عن خلل في التوازن الطائفيّ في عاصمة الشمال يتمثّل في الغياب الكامل للتمثيل المسيحيّ، ونقص في التمثيل العلويّ في المجلس البلديّ في طرابلس. ففي حين اقترع النّاخبون في الميناء في شكل أفسح في المجال أمام وصول ستّة مسيحيّين إلى المجلس البلديّ المكوّن من 21 عضواً. جاءت نتيجة التصويت في طرابلس معاكسة. إذ انتخب 23 عضواً من الطائفة الإسلاميّة السنّية وواحداً عن العلويّين للمجلس البلديّ المؤلّف من 24 عضواً. علماً أنّ اللوائح المتنافسة كانت تعطي المسيحيين ثلاثة مقاعد (اثنان من الروم الأرثوذكس وواحد ماروني) وثلاثة مقاعد للعلويّين. وقد ترافق الغياب المسيحيّ الكامل والنقص في التمثيل العلويّ في المجلس البلديّ لمدينة طرابلس (عاصمة الشمال) مع خسارة مدوّية للتيّارات الإسلاميّة (الجماعة الإسلاميّة، وجمعيّة المشاريع الخيريّة الإسلاميّة - الأحباش - وحركة التوحيد)، التي لم تستطع إيصال أيّ من مرشّحيها إلى المجلس البلديّ للمدينة، في حين أتاحت الإنتخابات الماضية عام 1998 وصول عدد من أنصار التيّارات الإسلاميّة (خاصّة الجماعة الإسلاميّة) إلى عضويّة المجلسين البلديّين في طرابلس والميناء، ما جعل منها القوّة التي ترجّح الكفّة في إنتخاب رئيسي المجلسين.
_________________________________
المصادر:
- الشرق الأوسط: http://www.aawsat.com
03-05-2004 + 09-05-2004 + 10-05-2004 + 11-05-2004 + 12-05-2004 + 18-05-2004 + 22-05-2004 + 23-05-2004 + 24-05-2004 + 25-05-2004 + 30-05-2004 + 31-05-2004 + 01-06-2004.
- الحياة: http://www.daralhayat.com
03-05-2004 + 04-05-2004 + 09-05-2004 + 10-05-2004 + 11-05-2004 + 12-05-2004 + 22-05-2004 + 24-05-2004 + 25-05-2004 + 30-05-2004 + 31-05-2004 + 07-06-2004.
- النهار: http://www.annaharonline.com
03-05-2004 + 04-05-2004 + 09-05-2004 + 10-05-2004 + 11-05-2004 + 12-05-2004 + 14-05-2004 + 15-05-2004 + 16-05-2004 + 17-05-2004 + 18-05-2004 + 19-05-2004 + 20-05-2004 + 21-05-2004 + 22-05-2004 + 24-05-2004 + 25-05-2004 + 26-05-2004 + 27-05-2004 + 28-05-2004 + 30-05-2004 + 31-05-2004 + 01-06-2004 + 02-06-2004 + 03-06-2004.
- الجزيرة: http://www.aljazeera.net
24-05-2004.

أعلى الصفحة الحالية