UNDP United Nations Development Programme برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
Programme on Governance in the Arab Region برنامج إدارة الحكم في الدول العربية POGAR
الملخـص
مقـدمـة
التطورات العالمية واثرها في الدور الرقابي للبرلمانات
ادوات الرقابة واستخداماتها في البرلمانات العربية
ملاحظات واستنتاجات ختامية
من اجل تطوير الدور الرقابي للبرلمانات العربية
المـراجـع

الدور الرقابي للمجالس النيابية العربية
د. رغيد الصلح

التطورات العالمية واثرها في الدور الرقابي للبرلمانات:

شهد العقد العاشر من القرن العشرين تطورات هامة على المستوى الدولي عززت من مكانة السلطات التشريعية في الدول الديمقراطية ومن قدرتها ومن رغبة اعضائها في الاضطلاع بدورها الرقابي. وتجلت هذه التطورات في الحقول الآتية:

1-التطورات السياسية: وتمثلت هذه التطورات بانتشار النظم الديمقراطية البرلمانية في عدد متزايد من دول العالم. ولقد ارتفع عدد هذه الدول، بحسب المعايير التي اعتمدتها مؤسسة "بيت الحرية" الاميركية، من 66 عام 1988 الى 99 عام 1993 ثم الى 117 عام 1998. ورافق هذا التحول تطور مواز له على صعيد تطبيق مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان بحيث ارتفع عدد ‘المجتمعات الحرة’ التي تلتزم بهذه المبادئ من 58 عام 1988 الى 81 في عام 1998 ( KARTNYCKY: PP.4-5 ). وكانت هذه التحولات حصيلة تطورات سياسية وفكرية واجتماعية كبرى، المت بالعديد من دول العالم. وعند الحديث عن هذه التطورات، فانه من المعتاد ان تتجه الاذهان الى الدول الاشتراكية وبعض دول العالم الثالث التي طبقت نظام الحزب الواحد ثم انتقلت الى نظام التعددية السياسية. الا ان الاهم من ذلك،من زاوية الموضوع الذي تتعرض اليه هذه الورقة، هي التطورات التي المت ببعض الدول الديمقراطية المتقدمة (المانيا الغربية، ايطاليا، فرنسا، بريطانيا، اليابان). ففي هذه البلدان استقرت في السلطة احزاب حاكمة واحدة لسنوات طويلة بعد الحرب العالمية الثانية بحيث بدت حكوماتها وكانها، كما لاحظ بعض صناع القرار والرأي مثل لورد داريندورف عالم الاجتماع الالماني الاصل والمعلق البريطاني ادريان هاملتون، وكانها حكومات الاحزاب الواحدة.

تعرضت دول التي شهدت سيطرة تلك الاحزاب المهيمنة على الحكومات الى ازمات سياسية واجتماعية واحيانا اقتصادية واسعة. وكان من مقدمات تلك الازمات تراجع دور البرلمانات وضعف دورها في مراقبة اداء السلطة التنفيذية. وفي غياب تلك المراقبة النشيطة انتشرت ظاهرة الفساد بصورة ملفتة للنظر واشتد تأثيرها في الدول المعنية. واذا كان من المالوف ان تضرب هذه الظاهرة الدول الفقيرة والغنية بدون استثناء، فقد استفحلت الرشوة في تلك الدول الغنية والديمقراطية الىحد وصفها بانها باتت ‘الحافز الاول في تسيير عجلة الحكم’. ولقد صبر المواطنون والمواطنات على تفاقم هذه الظاهرة يوم كانت الاوضاع الاقتصادية مواتية وحينما كان الجميع يتمتع بالرخاء ويتغاضى عن اخطاء الحكومات، الا انه مع تراجع الاوضاع الاقتصادية في بعض الدول الصناعية، خرجت الى الوجود مظاهر النقمة القوية على الفساد وعلى المسئولين عنه ، خاصة حيث قاد الفساد الى تداخل وتشابك في المصالح والتعامل بين عالمي السياسة والجريمة. ( The Observer, Adrian Hamilton, 11-4-1994 )

وتبلورت مظاهر النقمة هذه عبر صناديق الاقتراع في انحياز غالبية المقترعين ضد الاحزاب المهيمنة، وبالتصويت الى جانب الاحزاب التي تبنت ادخال اصلاحات واسعة على كل صعيد. ردة فعل الرأي العام في الولايات المتحة حملت قادة الكونغرس الاميركي، في الحزبين الجمهوري والديمقراطي على تجاوز خلافاتهم والى الاتفاق لاول مرة خلال نصف قرن من الزمن، على حزمة من الاصلاحات التي تقيد حرية النواب في علاقتهم مع جماعات الضغط والمصالح الخاصة ( INTERNATIONAL HERALD TRIBUNE 24-9-1994 ). وطالت عمليات الاصلاح هذه نفرا من رموز الحكم في ايطاليا وفرنسا مثل جوليو اندريوتي الذي شغل منصب رئيس الحكومة الايطالية مطولا في اعقاب الحرب العالمية الثانية. اما في بريطانيا فقد ادان مجلس العموم علنا النواب الذين تلقوا مالا لقاء الاسئلة التي وجهوها الى الحكومة كما تم تشكيل لجنة نولان التي كلفت بالنظر في تلك الظاهرة المتفاقمة فقامت بهذه المهمة وقدمت جملة مقترحات لمعالجتها. .( SMITH: PP. 551-562. )

ولئن كانت هيمنة تلك الاحزاب الطويلة الامد على مقاليد الحكم ادت الى اضعاف الهيئات التي كانت تمارس الرقابة الشعبية او الرسمية على اعمالها، فان سقوط فكرة الحزب الواحد وما انجبته من نتائج سياسية واجتماعية، فتح الباب امام مراجعة واسعة لاوضاع المؤسسة البرلمانية كممثل للمصالح العامة، وكهيئة تضطلع بمراقبة السلطة التنفيذية وتقوم اداءها. وطالت تلك المراجعة افكارا سائدة حول المفاضلة بين نماذج الحكم الثلاثة: الاميركي، حيث الانفصال بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، الفرنسي، حيث السلطة التشريعية تتحكم بالسلطة التنفيذية. والبريطاني حيث تهيمن الحكومة على السلطة التشريعية. ولقد كانت الفكرة الاكثر انتشارا هي ان نموذج وستمنستر يقدم الحل الامثل لهذه العلاقة والاطار القانوني الافضل لكي تقوم السلطة التشريعية بمهمة مراقبة السلطة التنفيذية P. 344). (LASKIالا ان بعض الذين قاموا بمراجعة هذه النظرة توصلوا الى انها اقرب الى الانطباعات منها الى الحقائق الاكيدة ((WEIR 368, 480-483. وتزامنت تلك الاكتشافات مع متغيرات مهمة طرأت على الحياة البرلمانية في الدول الديمقراطية اثرت على دورها الرقابي وعلى تعامل زعماء الاحزاب المهيمنة سواء التي خرجت من السلطة او التي دخلتها مع السلطات التشريعية. تمثلت تلك المتغيرات في دخول البرلمانات نواب جدد يتميزون بالمعرفة والاطلاع الواسعين وبالحيوية والتيقظ الذهني، وفي ثورة اعضاء المقاعد الخلفية (BACK BENCHERS (في هذه البرلمانات حيث باتوا اكثر تأثيرا في مناقشات المجلس ولم يعودوا يقبلون بدور المراقب والنائب المطيع لاوامر قيادة الحزب، اخيرا لا آخرا في ادخال وسائل الاتصال الحديثة الى كافة ومرافق الحياة البرلمانية ومنها بصورة خاصة التلفزيونات (HAGUE: P. 201).

2-ثورة الاتصالات: ساهمت الثورة التقنية في التسعينات في التأثير على العمل البرلماني في العالم وعلى الادوار الرقابية للبرلمانات التي مستها هذه الثورة. وكان من اهم نتائج هذه الثورة توسع دور التلفزيون في الحياة العامة ودخوله عدد كبير من برلمانات العالم. واستاثرت جلسات المناقشة العامة، وبرامج مساءلة الحكومات باهتمام الواسع بين المواطنين والمواطنات. وانصب الاهتمام الاكبر على الفترات المخصصة لمساءلة رؤساء الحكومات، خاصة في البلدان التي يضطلع فيها هؤلاء بدور كبير في تسيير الحياة السياسية كما هو الامر في بريطانيا. وتحول اقبال الهولنديين على الفترات المخصصة لمساءلة رئيس الحكومة في هولندا الى ما يشبه الطقس الديني. (FRANKS AND VANDERMARK, PP. 57-72.)

وبموازاة التوسع في النقل التلفزيوني لاعمال البرلمانات، سهلت ثورة الاتصالات على نحو غير مسبوق في التاريخ تنفيذ مشاريع للتواصل بين الافراد، من جهة، وبين مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية، من جهة اخرى. ففي نيوزيلندا نفذ مشروع "الاقتراع الهاتفي" ( TELEVOTE) الذي يسمح للمواطنين والمواطنات بالحصول على معلومات حول القضايا العامة عبر اجهزة الهاتف العامة، كما يسمح لهم بالاتصال السريع بالنواب وبالاقتراع على بعض الاقتراحات التي تتقدم بها الحكومة وتقديم الشكاوى بصورة مباشرة الى المسئولين. وطبق في هولندا مشروع "الديمقراطية الهاتفية" (TELEDEMOCRACY) الذي يسمح للناخب/الناخبة بمناقشة بعض المشاريع التي تقترحها الحكومة وبتفويض احزاب او نواب محددين بالاقتراع نيابة عنه او عنها خلال المناقشات البرلمانية وعند التصويت على المقترحات. ونفذت الحكومة اليونانية في اثينا مشروع بركلي PROJECT PERICLES الذي يشبه مشروع الاقتراع الهاتفي النيوزيلندي من حيث اهدافه وآلياته. وبوشر في بريطانيا بتنفيذ مشروع مشابه في بعض جوانبه للمشاريع السابقة (UK CITIZENS ONLINE DEMOCRACY) وهو لا يتيح للمواطنين البريطانيين الاقتراع ولكنه يسمح لهم بايصال آراءهم الى من يرغبون من اصحاب القرار، هذا فضلا عن انه يعتبر اوسع اطار للحوار بين المواطنين انفسهم حول قضايا الحكم والسياسة.

ولربما كان اوسع هذه المشاريع واكثرها طموحا وابعدها تأثيرا على دول العالم بما فيها الدول العربية، في حال تطبيقه، هو ذاك الذي يدعو اليه آل غور نائب الرئيس الاميركي وذلك بانشاء ‘بنى تحتية معلوماتية لحماية ودعم الحرية والديمقراطية’ في العالم. THE GUARDIAN 22-2-1995)). وبصرف النظر عن الغاية المتوخاة من هذا المشروع وعن مدى ارتباطه بالمصالح القومية للولايات المتحدة، فان طرحه من قبل زعيم اميركي يولي اهمية خاصة لثورة المعلومات ويرجح انتخابه رئيسا للولايات المتحدة في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، يدل على سعة الاثر الذي سوف تتركه الديمقراطية الاليكترونية على التطور السياسي في العالم.

اثارت هذه التطورات شيئا من المخاوف لدى بعض الاوساط الفكرية والسياسية. فبعض ساسة اليمين ومفكريه اعرب عن تخوفه من ادخال التلفزيون الى البرلمانات لانه يزيد من حرص النائب على استرضاء الناخب ومسايرته، بينما المفروض بالنائب، في تقديرهم ان يستوحي ضميره وقناعاته في مناقشة الحكومات ومحاسبتها. ومن مراقبة العلاقة بين مؤسسات الاعلام، من جهة، وبين بعض البرلمانات الآسيوية، من جهة اخرى، ذهب آرثور روبينوف، استاذ العلوم السياسية في جامعة تورونتو في كندا، الى القول بان تلك المؤسسات هي التي ترسم جداول الاعمال وتحدد مواضيع المناقشات والاهتمامات في اعرق مؤسسة برلمانية آسيوية اي البرلمان الهند .(RUBINOFF: P. 24) كذلك ابدى بعض هؤلاء خشيته من تدهور سمعة المجالس النيابية عندما يشاهد المواطنون والمواطنات النواب يتبادلون الاتهامات (FRANKS AND VANDERMARK: PP. 57-72).

واعربت جين كيركباتريك مندوبة الولايات المتحدة السابقة في مجلس الامن عن تخوفها مما توفره "الديمقراطية الاليكترونية" من وسائل الضبط المركزي للمجتمع ومن تهميش للمصالح الخاصة والفئوية، اي تلك المصالح التي تعتبر ركنا اساسيا من اركان الديمقراطية الاميركية. (INTERNATIONAL HERALD TRIBUNE 18-19/4/1992، SEE ALSO TIME 23/1/1995، THE GUARDIAN 15/9/1995.). واظهر بعض ساسة اليسار ومفكريه، مخاوف موازية لتلك التي ابداها قادة اليمن. فالاكاديمي البريطاني جون غراي يعتقد بان الديمقراطية الاليكترونية والتلفزيونية التي يدعو اليها بعض قادة اليمين مثل، نويت غينغرتش، رئيس الاغلبية الجمهورية الاميركي السابق، لا تنبع من الحرص على تقويم اداء الدولة وتعزيز وسائل الرقابة على عملها بمقدار ما ينبع من ثقافة شعبوية وغير ديمقراطية تعادي الدولة اصلا، وتسعى الى الغاء دورها خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية.

فضلا عن هذه الآثار المحتملة لثورة الاعلام والاتصال على العمل البرلماني، فقد اعرب البعض عن اعتقاده بأن هذه الثورة تفسح المجال امام تطبيق الديمقراطية المباشرة التي لا يحتاج فيها المواطن الى من ينوب عنه في مراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها على ادائها، وبذلك تحل المراقبة الشعبية محل المراقبة البرلمانية. ولقد رحب بعض المفكرين والسياسيين بهذا الاحتمال، مثل الفين وهايدي توفلر صاحبا كتاب خلق حضارة جديدة CREATING NEW CIVILIZATION الذي تأثر به عدد من زعماء الحزب الجمهوري البارزين في الولايات المتحدة كتبا يقولان ان "الاكتشافات المذهلة في تقنية الاتصالات توفر لاول مرة احتمالات تخلب الالباب في مجال مشاركة المواطن المباشرة في صنع القرارات السياسية. وحيث ان نوابنا المزعومين لا يمثلوننا، فانه آن الاوان للانتقال من الاعتماد على ممثلينا الى تمثيل انفسنا" (TIME 23-1-1995) البعض الآخر كانت له نظرة اخرى تجاه هذا الاحتمال معتبرا ان اضعاف البرلمانات، وانهاء دورها في مجال مراقبة السلطة التنفيذية والحد من توسعها سوف يؤدي، مهما كانت اسبابه، في نهاية المطاف الى اضعاف الديمقراطية.
الاصلاحات البرلمانية في الديمقراطيات المتقدمة تقلل من هذا الاحتمال الاخير(راجع المناقشات البرلمانية حول حرية المعلومات في بريطانيا (30-7-1999THE GUARDIAN).

ومن المرجح الا تؤدي التطورات التقنية توطيد مشاركة المواطنين في الحياة العامة في الديمقراطيات المتقدمة الى تقليص دور البرلمانات والى تقليص دورها الرقابي بل الى تقويتها.فالديمقراطية البرلمانية تطورت عبر قرون من الزمن ولن يسهل استبدالها واستبدال عملها في مجال الرقابة على السلطة التنفيذية خلال مدى زمني قصير. كما انه من المرجح ان يؤدي توسيع مشاركة المواطن في السياسة، عبر الثورة التقنية، الي تطوير الاداء البرلماني نفسه. فلم يعد باستطاعة النائب في اعقاب هذه التطورات ان يأخذ برأي جوزف شومبيتر الذي قال ان دور المواطن/الناخب يقتصر على التصويت كل اربعة سنوات لكي يترك شئون الحكم والسياسة، بعدها، الى النواب والسياسيين. ان وضع ادوات تقنية تمكن المواطن من مراقبة اعمال السلطة التنفيذية بصورة مباشرة، سوف يفرض على النواب ان يبذلوا جهدا اكبر في اقناع المواطنين بانهم الاكثر قدرة على الاضطلاع بهذه المهمة. وهذا سوف يفضي ،في نهاية المطاف، الى تعزيز دور المجلس النيابي في الديمقراطيات المتقدمة على الصعيد الرقابي. اذا اضيف الى ذلك ما جاءت به التطورات السياسية من اصلاحات واسعة في مجال العمل البرلماني ومنها ما تعلق، كما ذكرنا اعلاه، بمراقبة السلطة التنفيذية والحد من اخطائها، اذا اضفنا هذا الى الآثار الايجابية للتقدم التقني في هذا المجال، فانه يمكن القول بأن التطورات الدولية جديرة بان تنهض بالعمل البرلماني وبدور البرلمانات الرقابي وليس ان تضعفه. والاصلاحات التي بوشر في تطبيقها بعض الديمقراطيات المتقدمة مثل تطوير حق البرلمان والمواطنين في الاطلاع على المعلومات الرسمية تسير في هذا الاتجاه وتقدم نموذجا على تحولات ايجابية على هذا الصعيد. فهل سار التطور البرلماني في الدول العربية في هذا الاتجاه؟ وهل حققت البرلمانات العربية تطورا في حقل مراقبة السلطة التنفيذية خلال التسعينات؟ هذا ما تسعى الورقة الى الاجابة عليه في القسم اللاحق منها.

أعلى الصفحة الحالية