UNDP United Nations Development Programme برنامج الأمم المتحدة الإنمائي
Programme on Governance in the Arab Region برنامج إدارة الحكم في الدول العربية POGAR
الملخـص
مقـدمـة
التطورات العالمية واثرها في الدور الرقابي للبرلمانات
ادوات الرقابة واستخداماتها في البرلمانات العربية
ملاحظات واستنتاجات ختامية
من اجل تطوير الدور الرقابي للبرلمانات العربية
المـراجـع

الدور الرقابي للمجالس النيابية العربية
د. رغيد الصلح

ملاحظات واستنتاجات ختامية:

1- اوضاع المجالس النيابية الداخلية وسلطة البرلمانات وقدرتها على ممارسة الرقابة

1-يتوفر في عدد من البرلمانات العربية اطار قانوني ملائم نسبيا للقيام بالعمل الرقابي. هذا لا ينطبق على كافة السلطات التشريعية في البلاد العربية، فمنذ تأسيس المجلس التشريعي الفلسطيني، مثلا، وحتى العام الفائت، اصبح "الافتقار الى أى نظام لتحديد وتنفيذ ومراقبة السياسة العامة للسلطة الفلسطينية (…) اشكالية متزايدة" (صايغ والشقاقي: ص. 64) ويشكو النواب في بعض الدول العربية من ان القوانين والتشريعات في هذا المجال ما تزال ناقصة، او ان هذه القوانين تؤثر سلبا وتحد من قدرة البرلمان على الاضطلاع بدوره. (الشرق الاوسط 18-11-1999، السفير 13-9-1991، الاتحاد 29-3-2000) وتنطوي هذه الشكوى على نصيب من الحقيقة، الا ان المقارنة بين اوضاع البرلمانات العربية، من هذه الناحية، وبين اوضاع البرلمانات في الديمقراطيات المتقدمة تدل على ان القيود القانونية المفروضة على عملية المراقبة لا تتجاوز المألوف تجاوزا استثنائيا. او انها تدل، على الاقل،على ان العامل الحاسم في قصور البرلمانات العربية عن الاضطلاع بدورها الرقابي لا يأتي من القيود القانونية المفروضة في هذا المجال.

2-يربط مسئولون برلمانيون عرب، مثل رئيس مجلس النواب الاردني خلال منتصف التسعينات، بين الاداء المحدود الاثر لبرلماناتهم في مجال المراقبة والتشريع، من جهة، وبين افتقار مجالسهم الى ‘…تجهيزات مثل مراكز المعلومات والدوائر الفنية المساعدة… والكفاءات الادارية التي ستساعد النواب في التعامل مع القضايا الصعبة’، من جهة اخرى (الحياة 23-2-1995). الا انه يمكن القول بان بعض المجالس العربية حقق تقدما على هذا الصعيد. فمجلس النواب اللبناني، على سبيل المثال، خطا خطوات ملموسة على هذا الصعيد اذ زود نوابه بمكاتب مستقلة وبمساعدين، بينما كانوا يفتقرون الى اي من هذه التسهيلات والمساعدات المادية والبشرية سابقا.(CROW: P. 286) .وتمكن المجلس التشريعي الفلسطيني، بمساعدة الدول المانحة، من تطوير قدراته في "…اعمال التشريع والاشراف ومرورا باعمال التسجيل والبحث وصولا الى التنظيم والاجراءات الادارية". (الصايغ والشقاقي 61). هذا العلم بأن المجلس الفلسطيني لا يزال في حاجة الى تجهيزات كثيرة كالغرف المستقلة للنواب حتى يقوم بواجبه على نحو افضل. وتضم المجالس النيابية والشورية في البلاد العربية عددا واسعا من الاعضاء من اصحاب الاختصاص والكفاءات الذين يستطيعون المساهمة بصورة معقولة في العمل الرقابي اذا توفرت ظروفه ومناخاته. وتوفر التعويضات المادية التي يتقاضاها النواب في البرلمانات العربية دخلا معقولا يجعلهم في وضع افضل للتركيز على العمل البرلماني والرقابي من نظرائهم في بعض برلمانات الديمقراطيات المتقدمة مثل الهند حيث يضطر النائب الى الاضطلاع بعمل اضافي بسبب تدني راتبه مما يؤثر سلبا على قدرته على القيام بدور المراقبة على الحكومة.

التسهيلات المادية والتقنية والبشرية التي توفر للنواب جديرة بان تجعلهم اكثر قدرة على ممارسة الدور الرقابي. وهذه الفرضية تنطبق، عموما، على الواقع. الا انه يجب الاخذ بعين الاعتبار انها في حالات معينة قد تساعد على دمج النائب بالنخبة او بالفريق الحاكم، وتحد من اندفاعه في مراقبة السلطة التنفيذية واحراج المتحكمين بالعملية السياسية في البلاد لئلا يخسر ما توفره له النيابة من امتيازات. وهذا المنحى في علاقة السلطة التشريعية بالسلطة التنفيذية ليس امرا غريبا على المجالس النيابية في الدول الاخرى. فعندما كان الدوما يبحث في احد دوراته امر عزل الرئيس الروسي السابق يلتسن من منصبه، هدد اعضاء المجلس بخسارة الامتيازات المعنوية والمادية التي يحوزون عليها، وكافأ المنحازين اليه بزيادة هذه الامتيازات. ولربما كان من المستحسن التوسع في دراسة العلاقة بين تطور المجالس النيابية من ناحية توفر التسهيلات المادية والبشرية التي توفر للنواب، من جهة، وبين تحسن ادائها الرقابي، من جهة اخرى. من المرجح ان تفضي مثل هذه الدراسات الميدانية والاحصائية الى انه لا توجد علاقة سببية حاسمة بين الامرين، وان هذه التسهيلات تلعب دورا مفيدا ومحدودا، في آن واحد، في تنمية العمل الرقابي للمجالس النيابية العربية.

3-النائب العربي اصبح بفضل التطورات التقنية الكبرى المشار اليها اعلاه، وبفضل بعض التسهيلات التي تمنحها له الدولة، اكثر قدرة على الوصول الى المعلومات من ذي قبل. ففي العديد من المناقشات الحكومية في البرلمانات العربية يلجأ بعض النواب في مراقبتهم الاداء الحكومي الى الاستعانة بمعلومات استقوها من مراجع دولية وعبر اقنية الاتصال السريع. الا ان القدرة على الاستعانة بمصادر المعلومات هذه ليست متوفرة لكثرة النواب. والمعلومات هنا لا تتوفر بسهولة وكذلك لا توجد مراكز بحوث متعددة ومتخصصة يمكن الركون اليها في مناقشة الحكومة ومراقبتها. هذا ما اكده السعي الى اعداد هذه الورقة، حيث تبين ان مثل هذه الدراسات قليلة ومبعثرة ولا تتقدم بصورة منهجية وهادفة وعلى نحو يواكب العمل البرلماني والدور الرقابي للمجالس النيابية العربية. واذا كان من غير السهل على الباحث المختص العثور عليها والافادة منها، فانه من باب اولى ان يواجه النائب العربي الذي يصرف جزئا كبيرا من وقته في متابعة قضايا ناخبيه، صعوبة في القيام بهذا العمل.

ان ادخال التقنيات الحديثة الى البرلمانات وانتشارها في الدول العربية يساعد النائب في الحصول على المعلومات من بعض مصادرها خاصة غير المحلية. الا ان مراقبة الاداء الحكومي تتطلب، بصورة رئيسية، جمع المعلومات من البلد نفسه ومن مصادرها الاولية وخاصة من الادارة والمؤسسات العامة ومن المواطنين الذين يعانون من المشاكل والصعوبات في علاقتهم مع الادارات الحكومية او الذين يملكون معلومات وملاحظات هامة عن سير العمل الحكومي. وجمع المعلومات في هذه الحالة ليس عملا فنيا بحتا. فلا يكفي ان يطلب النائب من مساعد له تجميع معلومات من هذه المصادر حتى يحصل عليها. بل ينبغي ضمان استعداد المواطنين والموظفين ورجال الادارة والمصالح العامة تزويد النائب ومساعديه بالمعلومات المطلوبة، وهذا يقتضي بدوره ان يضمن النائب عدم تعرض مقدمي المعلومات الى ردود الفعل العقابية القاسية من قبل الجهات الحكومية او غير الحكومية التي يجابههاا النائب خلال عملية المراقبة. وتقديم مثل هذه الضمانات لا يعتمد على رغبة النائب فحسب، بل ايضا على اوضاع عامة تتجاوز الاوضاع الداخلية للمجلس النيابي مثل استقلال القضاء، وتأكيد سلطة القانون.

4- ادخال الاعلام المسموع والمرئي المجالس النيابية ساهم في توفير مناخ ملائم للارتقاء بالعمل الرقابي. هذا التطور التقني الطابع ادى الى وضع النائب نفسه تحت المراقبة الشعبية المباشرة. وساهمت وسائط الاعلام التلفزيونية بصورة خاصة في تقوية مواقع النواب الذين يمارسون العمل الرقابي بنشاط وفي تحولهم الى نماذج للنواب الناجحين في ادائهم السياسي، وفي تحويل العمل الرقابي نفسه الى فعل سياسي مرغوب، كما لاحظ المحلل البرلماني لصحيفة "النهار" في عرضه لمواجهة حدثت في لبنان بين المجلس والحكومة "…ما كانت لتحصل…لولا التلفزيون الذي اعاد وصل النواب بالرأي العام. (النهار 31-3-1993 انظر ايضا النهار 22-6-1994، 25-4-1999). كذلك ساهم ادخال التلفزيون حلبة البرلمانات في زيادة اثر المارسة الرقابية البرلمانية على السلطة التنفيذية، كما ظهر احيانا بصورة سلبية عندما بذل مسئولون برلمانيون محاولات من اجل تجنب نقل المناقشات البرلمانية على شاشات التلفزيون، او التضييق على الصحافة التي كانت تساهم في مراقبة اداء المجلس والحكومة (الحياة 13-2-1993،4-5-1994، النهار 22-6-1994، الحياة 25-4-1999).

5-اظهرت البرلمانات العربية خلال التسعينات انها لا تزال، بصورة عامة، خاضعة للسلطة التنفيذية. وهذا النوع من العلاقة يحد من قدرة المجالس النيابية على الاضطلاع بدورها الرقابي بصورة خاصة كما لاحظ برلمانيون اردنيون قالوا ان الحكومة تميل الى تجميد الدور الرقابي للمجلس والى حصر عمله في مجال انجاز القوانين (السفير 13-9-1991).وكانت هناك بعض الاستثناءات كما ظهر احيانا في العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في لبنان ، اذ بدت الاولى طاغية على الثانية الىدرجة اثارت في نهاية عام 1991 شكوى الحكومة من هيمنة المجلس ومن "التشدد في سلطة الرقابة النيابية على اعمال الحكومة" (السفير 9-12-1991). الا ان هذا النمط من العلاقة كان وليد ظروف محلية لم تتكرر في الدول العربية الاخرى.

6-تبين تجارب التسعينات في حقل المراقبة البرلمانية انه لم يكن مستحيلا على النواب استخدام وسائل المراقبة المحدودة التأثير وفي القضايا التي لا تؤثر تأثيرا صارخا على استقرار الاوضاع الراهنة ولا تمس مصالح الجماعات الرئيسية في البلاد. وهكذا كان استخدام اسلوب توجيه الاسئلة، مثلا، شائعا بين النواب، سواء كانوا من المعارضين او الموالين للحكومات.وقد استنكف نواب ونائبات-بصورة خاصة- عن استخدام هذه الوسائل الرقابية دون مسوغ معلن الا شعور الاحباط الذي يلازم بعض النواب واعتقاد بعض نواب المعارضة بان الاوضاع العامة تجعل من العمل النيابي امرا محدود الاهمية والعوائد، او النكوص والاهمال في بعض الحالات كما لاحظ النائب المصري الدكتور شوقي السيد (الاهرام 12-1-1999).

ويختلف الامر مع استخدام وسائل المراقبة الاكثر فعالية وفي القضايا الحساسة. فهنا نجد صعوبات تتدرج صعودا بما يتناسب مع فعالية وسائل المراقبة وحساسية القضايا التي تتمحور حولها واهمية المصالح التي تتعرض لها والظروف التي يستخدم فيها اسلوب المراقبة. فحيث ينجح برلمان عربي في ظرف من الظروف في استحداث تغييير حكومي عبر استخدامه بعض ادوات المراقبة البرلمانية، يفشل هو نفسه او برلمانات عربية اخرى، في اتيان تلك النتيجة، في ظرف آخر. وفي حين يتمكن مجلس نيابي من استخدام آليات المراقبة وصولا الى معاقبة مسئولين حكوميين بارزين، فان استخدام وسائل الرقابة ذات الاثر العقابي، في حالات اخرى، ادت الى معاقبة النائب نفسه كما حدث لاحد نواب الكويت البارزين الذي كاد ان يفقد حياته بسبب ممارسته دوره الرقابي.

2- الاوضاع العامة في البلاد ورغبة البرلمانات في ممارسة دورها الرقابي

1-الثقافة السياسية: الثقافة السياسية المهيمنة في الدول العربية لا تخدم تطور العمل الرقابي. فمقابل اطراء بعض المسئولين الكبار للدور الرقابي للبرلمانات واعرابهم عن اثر هذا الدور الايجابي على البرلمان والدولة، فانه هناك شعور منتشر في الكثير من هذه الدول ان الحكومات تفعل ما تشاء بصرف النظر عما تريده المجالس النيابية وعما يريده المواطنون، وان هذا الواقع يحدد من فاعليتها ودورها. (السفير 22-9-1998، والنور آب/ اغسطس 1999، الاهرام 15-11-1998). ويجدر بالذكر ان هذه الحالة لا تقتصر على الدول العربية فحسب بل انها منتشرة في الديمقراطيات الناشئة التي انتقلت من الحكم المطلق الى النظام البرلماني الديمقراطي، فكانت البرلمانات احد جسور هذا الانتقال ومجالاته، حتى اذا استقرت الانظمة المعنية على حالها الجديد ضعفت اهمية البرلمانات في الوعي العام وتراخت الآمال العريضة التي علقت عليها والاحتضان الشعبي لها. (HAGUE 199-201). فضلا عن ذلك فان الاضطلاع بدور الرقابة يتطلب ترصدا لمواطن الضعف والخلل في واقع الحكم، وتنقيبا عن الثغرات والنواقص، وتسليطا للاضواء على ما هو مسكوت عنه من قضايا وعلل خلافية، وتلويحا بالعقوبة لمن يستحقها. الاضطلاع بهذا الدور يجعل قسما لا يستهان به من المواطنين يجدون في تمسك المجلس النيابي بدوره الرقابي احيانا مظهر غلو وانشقاق في بيئات متأثرة بثقافة الاجماع. ان اننتشار مثل هذه المشاعر في اوساط الرأي العام تؤثر على استعداد المواطنين للتعاون مع المجالس النيابية في مجالات تعزيز سلطة البرلمانات وتمكينها من الاضطلاع بدورها الرقابي.

2-الاوضاع السياسية الداخلية: يعتبر الاقليم العربي من اقل اقاليم العالم تطورا بالمعيار الديمقراطي، كما تلاحظ مجلة "الايكونوميست" البريطانية .(THE ECONOMIST 19-2-2000)وتبلغ نسبة الدول العربية 5، 37 % من بين دول الاقل تطورا في العالم وذلك بحسب معايير الديمقراطية التي يحددها تقرير "بيت الحرية". وبديهي ان هذه النسبة مرتفعة بالمقارنة مع نسبة 11 % وهو ما تشكله الدول العربية بين مجموع دول العالم ( KARTNYCKY 6-7) انه قد يصعب التسليم الكامل بمثل هذه الاحكام لانه يشوبها احيانا استخدام نهج انتقائي في تصنيف المؤهلات الديمقراطية لدول العالم. الا انها مصيبة من حيث انها تسلط الضؤ على تدني حظ الاقليم العربي من الديمقراطية. فهذا الاقليم يعتبر من الاقاليم القليلة في العالم الذي تتنفي الاحزاب السياسية عن بعض بقاعه، واذا وجدت هذه الاحزاب فانه كثيرا ما يحدث ان تلقي الدولة بثقلها لكي تمنع تمثيلها تمثيلا عادلا في البرلمانات (الحياة 13-8-1993). ولما كان وجود الاحزاب السياسية، واحزاب المعارضة بصورة خاصة، ودخولها البرلمان يعتبر من العوامل المنشطة للحياة البرلمانية بصورة عامة ولدورها الرقابي بصورة خاصة، فان غيابها عنها او حضورها المهمش فيها، يضعف الرقابة البرلمانية ويحد من مفعولها. وفي الاقليم العربي بات تأبيد المعارضة خارج السلطة التنفيذية والموالين على كراسي الحكم من المشاهد المألوفة على المسرح السياسي العربي، وبات انتقال السلطة التنفيذية بالكامل الى ايدي معارضي الامس، كما هو الحال في المغرب، امرا استثنائيا واختراقا لواقع مستقر. هذا الوضع لا يساعد على تنشيط دور البرلمانات الرقابي الذي يتطلب، كما يعتقد وير، معارضة نشيطة، والمعارضة تنشط حيثما تأمل في الوصول الى السلطة. (WHEARE 120)

فضلا عن اثر هذا الانسداد المحبط على نشاط المعارضة في حقل المراقبة، فانه قد يكون له اثر سلبي على الوجهة التي تستخدم فيها وسائل المراقبة. ذلك ان الغرض من استخدام هذه الوسائل في الديمقراطيات المتقدمة، حيث تتوفر فرص تداول السلطة، هو اقناع الناخب بان الحزب او الجماعة الحاكمة لا تخدم مصلحته وبانه من الافضل له ان يقترع لمصلحة الحزب المعارض في الانتخابات المقبلة. اما في الدول العربية، وفي ظل ضعف التقاليد الديمقراطية واغلاق او تضييق المعابر البرلمانية والسلمية الى تداول السلطة، يصبح الهدف من استخدام الوسائل الرقابية في كثير من الاحيان ان لم يكن في اكثر الاحيان، هو ليس مخاطبة الناخب بل المواطن الناقم. والمقصود بمخاطبة هذا المواطن هو تحريضه على النزول الى الشارع اما بقصد زعزعة النظام والاطاحة به، او بقصد الضغط على رأس الدولة لكي يستبدل الحكومة القائمة او احد الوزراء بحكومة او بوزير آخر. هذا النهج يؤدي في نهاية المطاف، كما كتب المحرر البرلماني لصحيفة السفير اللبنانية الى انتقال "…سلطة المجلس النيابي لجهة محاسبة الحكومة واقالتها الى الشارع" (8-5-1992). ويجدر بالذكر هنا ان ادخال التلفزيون الى المجالس النيابية العربية، على كثرة فوائده وآثاره الايجابية بالمعيار الديمقراطي وفي مجال تعزيز المراقبة فانه، من جهة اخرى، قد يؤدي في بعض الحالات، الى تحفيز هذا النهج الشعبوي لدى النواب، فيكون تأثيره، من هذه الناحية تحديدا، على الاداء الرقابي سلبيا.

الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية: في الدول العربية خلل في العلاقة بين، الدولة والمواطن، وبين الحكومات والمجتمعات المدنية حيث تطغي الدولة والحكومات على المواطنين والمجتمعات المدنية. ولهذا الخلل اسباب يأتي في مقدمتها اتساع بيروقراطية الدولة على حساب هيئات ومنظمات المجتمع المدني وعلى حساب المبادرات المستقلة التي تقوم بها من اجل تنظيم حياة الاهلين والتعبير عن حاجاتهم ومطالبهم. وهذا الخلل يؤثر الى حد بعيد، وان يكن بصورة غير مباشرة، على الدور الذي تحتله البرلمانات في الحياة السياسية وعلى ممارستها دورها الرقابي. فالنواب يكونون اكثر ميلا، عادة، الى الاضطلاع بدورهم في مراقبة ادائهم السلطة التنفيذية، عندما يشعرون بانه هناك نوع من المراقبة الشعبية على ادائهم هم. والعكس بالعكس. وطغيان الدولة الريعية على المجتمع من شأنه ان يحد من تلك المراقبة الشعبية مما يؤثر سلبا على تطور المراقبة البرلمانية على الحكومة. ثم ان المواطن ومنظمات المجتمع المدني الذين يمتلكون قدرا ملموسا من الاستقلال المادي والمعيشي عن الدولة، هم الاكثر قدرة على التعاون مع النواب الذين يرغبون في الاضطلاع بدورهم الرقابي، من المواطنين ومنظمات المجتمع المدني الخاضعين، بحكم الضرورات المادية لسلطة الدولة المادية والعاملين في خدمتها.

الخلل بين الدولة والمجتمع كبر حجمه خلال العقدين الاخيرين من الزمن كما يلاحظ الاكاديميان محمد مصلح واوغستوس ريتشارد نورتون. ففي بعض البلدان العربية الرئيسية تضاعفت بيروقراطية الدولة، وفقا لاحصاءات استند اليها الباحثان الخبيران في شئون المنطقة العربية، تسع مرات خلال عشرين عاما بحيث بلغت نسبة العاملين في خدمة المؤسسة الحكومية، من مدنيين وعسكريين، ما يقارب ربع عدد السكان في هذه الدولة. هذا التوسع ساهم في تحويل العديد من منظمات المجتمع المدني الى منظمات مستقلة بالاسم عن الحكومة، بينما هي تعمل وفقا لتوجيهاتها وبغرض تحقيق اهدافها. اما المنظمات الاخرى وخاصة تلك الناشطة في مجال تنمية الديمقراطية والدفاع عن حقوق الانسان في الدول العربية فانها تعاني من ضغوط وتحديات رئيسية من اهمها حاجتها الى التمويل. ان غياب قطاع خاص مستقل وناشط ومستعد لتوفير الرعاية والدعم لمثل هذه المنظمات والى مجتمعات المدني عموما يضطر هذه المنظمات اما الى الاتكال على الدعم الذي تقدمه السلطات التنفيذية، وهذا يهدد بتحويلها الى ذراع لها، كما اسلفنا، واما بقبول المساعدات من مصادر اجنبية وهو امر يهدد استقلاليتها ومصداقيتها احيانا، وهذا الاحتمال الاخير قد لا يكون ممكنا في بعض الدول العربية وقد يعرضها الى ضغوط ومتاعب قانونية وسياسية في اقطار عربية اخرى مما يضعف من فاعليتها واثرها.(INTERNATIONAL HERALD TRIBUNE 10-6-1991 )

3-المؤثرات الخارجية: تتأثر التجارب الديمقراطية البرلمانية في البلدان العربية بالعوامل الخارجية. ومن هذه العوامل المهمة هنا هو الجهد الذي تبذله بعض الدول والفواعل الدوليين من اجل دعم التحولات الديمقراطية في المنطقة العربية.فالولايات المتحدة تعتبر ‘دعم التحول هذه التحولات وتوطيد الديمقراطيات الناشئة خاصة في المناطق المهمة لها’، واحدا من اهدافها الاستراتيجية الرئيسية الستة عشر كما جاء في خطة الولايات المتحدة الاستراتجية في مجال السياسة الدولية . ( ALBRIGHT: P. 33 ) وسعى الاتحاد الاوروبي الى ادخال مسألة دعم التحولات الديمقراطية في صلب اعلان برشلونة والشراكة المتوسطية. وتقوم هيئة الامم المتحدة ومنظماتها المختصة، كما نلمس في هذا المؤتمر، بجهود لتحقيق نفس الاهداف. ان هذه الجهود تأتي بالثمار المرجوة احيانا. ولكنها في بعض الاحيان كما يحصل عندما تقوم بها دولة واحدة ، تفضي الى نتائج معاكسة، خاصة عندما تظهر ان المقصود منها-حتى ولو لم يكن ذلك صحيحا- هو خدمة مصالح الدول الكبرى على حساب مصالح دول المنطقة.

أعلى الصفحة الحالية